يهتف به ، فزاد هذا الاعتقاد أحاديثه توهّجاً وبريقاً .
ولعلّ أهمّ ما شغل ذهنه من الموضوعات السياسية ما بالشرق من مرض قعد به عن النهوض ، وكلّ سياسي مجاهد من زعماء الإصلاح قد أطال النظر في هذا المرض مُعلّلًا مستطبّاً ، ولكن قلّ منهم من اهتدى إلى ما اهتدى إليه الثعالبي حين قرّر أنّ هذا الضعف قد تسلّل من عصور ماضية ، وكلّ عصر يزداد عن سابقه فتوراً وجموداً ، وعلّة العلل في ذلك هي جهل المسلم بثقافة دينه السياسية ، فكلّ ناشئ يعرف الكثير من أحكام العبادات والمعاملات ، ولكنّه لا يعرف شيئاً عن مركز الحاكم في الإسلام ، ومتى يكون أمره مطاعاً ، ومن الذين ينتخبونه ، وما الظروف والأسباب لعزله وتنحيته ، وتلك أُمور هامّة لو فُهمت على وجهها الصحيح ما استطاع المغتصبون للسلطة أن يظهروا بمظهر الشرعيّين الملتزمين .
هذا إلى ما جوّزه المأجورون من الفقهاء حين أباحوا إمامة المغتصب الذي يتولّى الأمر بالرهبة والعدوان ، فوُجِدت الحكومات الظالمة ، وتسلّطت على الرقاب ، وهي دخيلة زائفة ، فكان تسلّطها سبباً لاختلال الأمن ؛ إذ جمعت حولها الوصوليّين والهتّافين ، ممّن يؤيّدون كلّ حاكم ليبتزّوا الجاه والمنصب من لدنه » .
يقول الأُستاذ الثعالبي ببعض التصرّف : « ليس الدين قوّة مسلّحة ، تُرهن الناس وتستدعي الخلاف ، ولكنّه دين عقل وعمل وتسامح ، وقد وُجِد ضالّون مضلّلون في كلّ عصر يتنكّبون مصادر العلل ومناشئ الأدواء ، ويتهجّمون على الدين إذ يطعنونه في الصميم ، ثمّ يلحقون به ما أصابهم من جمود وانحطاط ، مع أنّ الدين في نشأته الأُولى قد قلب نظام العالم وأوجد إخاءً بشريّاً رحيماً وارف الظلال ، ودينٌ كهذا لا يُعقل أن يكون مصدر انحطاط ، ولكنّ الانحطاط جاء من إهمال تعاليمه .
كما أنّ فقد الرقابة على المؤلّفات العلمية والكتب المدرسية قد أوجد في هذه الكتب دسائس وأراجيف دُسَّت على الإسلام ، فكانت كالسوس الذي يأكل اللحم وينخر العظم ، وليس من وسيلة لتنبيه الناس غير مؤتمر جامع للمسلمين ينظر في شؤونهم العامّة » . ويقول الأُستاذ عبد العزيز الثعالبي : إنّه دعا إلى ذلك منذ ثلاثين عاماً في جريدة « المؤيّد » ، ولم
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 630
مساهمون: محمد الساعدي
ص٦٣٠