تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 628

مساهمون:

ص٦٢٨
الأُخرى ، وضُيّق عليه في الاستمتاع بحرّيته ، حين ألّف الحزب الوطني منادياً بتحرير العالم العربي كلّه ، وإقامة الوحدة بين أقطاره ، ثمّ عزم على السفر إلى الخارج لينشر دعوته تلك في ربوع العالم الإسلامي ، ففهم الفرنسيّون قصده ، وحالوا دون سفره حتّى استطاع أن يخرج مستخفياً ، ويبدأ رحلاته المتتابعة . وقد رأى الثعالبي أنّ تونس أضيق من أن تتّسع لآماله ، وصمّم على الرحلة إلى شتّى الأماكن ، فزار ليبيا ومصر والجزائر والمغرب الأقصى ، وعقد صداقات قوية مع زعماء الفكر في هذه البلاد ، ولا شكّ أنّ المخلصين من هؤلاء قد رحّبوا بمبادئه الممتازة ، ولكنّهم أشفقوا على الأمل الطامح الممتدّ أن يعوق اتّساعه الفسيح دون تحقيق المأرب المتواضع ، وهو استقلال كلّ قطر عربي وخلاصه من الاستعمار قبل أن يهتف بالوحدة الجامعة . وقد جال الثعالبي جولته الأُولى ، وزار عاصمة الخلافة ؛ ليبلّغ المسؤولين أنّه يدعو إلى الوحدة العربية في نطاق الخلافة الإسلامية ، وهي دعوةٌ لم تصادف هوى لدى القوم ، ولكنّه جاهر بها ، وكأنّهم رأوها خيالًا لا ينهض على ساقين ، فتركوه يقول ما يشاء ! ثمّ رأى أن يرجع إلى تونس ليُصدر صحيفته الوطنية شارحاً ما شاهده في رحلاته خارج البلاد وداعياً إلى إذكاء الحمية في النفوس على نحو يأبى صغار الاستعمار ، وهُنا رأت الحكومة الفرنسية في باريس أنّها أمام خصم عنيد ، فأوحت إلى عملائها في تونس أن يُسارعوا بإرهاب الزعيم المتحمّس ، وقد أُلصقت به تُهمٌ لم تُحكم حبالها على وجه يُقنع قضاة الفرنسيّين أنفسهم ، وأحدث اعتقاله ضجّة عامّة في أرجاء تونس ، وخافت سلطة الاحتلال أن يمتدّ الغضب من أجله بحيث يصعب تلافيه ، فأطلقته وأوقفت جريدته السياسية . وكانت نعمة من اللَّه لمثله ؛ إذ منحته الهدوء ليؤلّف كتاباً سمّاه « روح القرآن » ، كتبه بالعربية ، ونقله إلى الفرنسية ، وكان الهدف من ترجمته إلى لغة المحتلّ أن يُقنع الفرنسيّين في أوروبّا أنّ الإسلام دين حضاري ، وأنّه بريء من افتراءات خصومه التي تُذاع في أوروبّا على نحو واسع ، وكان للكتاب صداه ، فدفعه نجاحه العلمي إلى أن يُصدر صحيفة باللغة الفرنسية تنطق بآمال التونسيّين خاصّة ، والمسلمين عامّة ، وتحمّل في نفقات ذيوعها ما