تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 587

مساهمون:

ص٥٨٧
ومن بعده . وقد شعرت بها لأوّل مرّة في شبابي في جبال الأرنؤوط بألبانيا ، فقد دخلت تلك البلاد ولا عهد لي بها ولا معرفة بأحد من أهلها ، وكان طريقي إليها من بحر الأدرياتيك ، فنزلت « بكاترو » وذهبت إلى « ستنجه » عاصمة الجبل الأسود وقتئذٍ ، وكان أهل الجبل في حالة حرب مع الدولة العثمانية ، وكنت متنكّراً بصفة مراسل لجريدة إنجليزية ، أقصد التطوّع مع المدافعين عن « أشقودره » من الترك والألبان ، فلمحت في المدينة اسماً إسلامياً على دكّان ، فقدّمت نفسي إلى صاحبه ، وكأنّما كنّا على موعد ! رغم أنّ حديثنا كان بالإشارة ، وما لبث أن جاء لي بفقيه يعرف قليلًا من العربية ، فتفاهمنا ، وتولّى الرجل بعد ذلك أمري كلّه حتّى وصلت إلى « أشقودره » وتنقّلت في بلاد الأرنؤوط من الشمال إلى الجنوب ، يوصي بعضهم بعضاً بي ، ولو كنت بين أهلي ما وجدت منهم حبّاً أكثر ممّا أوجدته لي الأُخوّة الإسلامية في تلك الأيّام العصيبة ، أيّام حرب البلقان ، بل إنّي لا أزال أذكر أنّهم أوجدوا في كلّ بلد من يعرف العربية ومن يلازمني لخدمتي ومعاونتي . وهذه الروح ذاتها هي التي وجدتها في شمال إفريقية أثناء الحرب العالمية الأُولى ، وهي التي لمستها في الهند حينما كان الناس يحفّون بي ويستبشرون ، ولمّا علموا أنّ مصر صارت دولة مستقلّة وأنّني رسولها إلى الأفغان فرحوا كأنّما أيّام عزّهم قد أقبلت ! هذه الروح التي خلقتها الدعوة المحمّدية إلى الأُخوّة هي التي شهدتها كذلك في إيران والأفغان وتركيا والعراق والشام والحجاز وغيرها ، وفي كلّ جولة من جولاتي في بلد لا تزال للإسلام أو بقي فيها مسلمون ، وهي التي يخرج بها معتزّاً الأفغاني من المشرق أو الفلاتي من أقصى أفريقية الغربية ، فيطوي آلاف الأميال سيراً إلى مكّة متوكّلًا ؛ لأنّه يمشي من أهل إلى أهل ، ومن إخوان إلى إخوان ، حتّى يرد المكان الذي جهر فيه محمّد بالدعوة إلى هذه الأُخوّة العامّة . كنت مرّة قاصداً من الرياض عاصمة نجد إلى مكّة ، وكان بينهما سفر خمسة أيّام بالسيّارة في ذلك الوقت . وفي اليوم الثاني لاح لي رجلان يمشيان ، فوجّهت السائق