أشدّ ولاءً وإخلاصاً لدولة آل عثمان منهم لأُمرائهم وأشرافهم من العرب .
وكان الأمر كذلك في الدول القديمة ، وفي دول القرون الوسطى ، كالدولة العبّاسية والإمبراطورية الرومانية المقدّسة والإمبراطورية البيزنطية ، وكذلك عرفنا من الصقالبة في دولة النمسا من كانوا أوفى لها منهم لأبناء عمومتهم من الروس .
كذلك كان يرقى سلّم المناصب كلّ من سمحت له مواهبه وظروفه في خدمة الملك أو السلطان ، فتجد البرامكة وآل طاهر الإيرانيّين أعلى الناس مقاماً في خلافة الهاشميّين من العرب ، وعائلة « كوبرلي زاده » من الأرنؤوط في خلافة العثمانيّين من الترك ، بل لقد صعد هذا السلّم من العبيد في الدول الإسلامية عدد أكثر بكثير ممّا تأذن به نسبتهم العددية ، وبلغ الذروة من المماليك ما بين مصر والهند في الدول الإسلامية عشرات السلاطين ممّن لاتزالُ آثارهم خالدةً في دلهي والقاهرة ، وفي تلك الساحة الإسلامية العظيمة من الأطلسي إلى الهادي .
ولم يكن الناس يتساءلون عن عنصر ولا أصل ، وإنّما يساءلون عن عملٍ وخلقٍ ودينٍ .
فمن المماليك الذين وصلوا إلى أعلى مناصب الدولة في مصر والبلاد الإسلامية نجد الأرمني والروسي والصقلي والكرجي والشركسي والتتري والتركي والفرنجي والسوداني والحبشي . ولو تعقّبنا أنسابهم لانكشفت لنا عن جميع ألوان البشر .
فلم تكن الوطنية بمعناها الحديث ولا القومية بعصبيتها الحاضرة حدّاً فاصلًا بين الناس كما صارت في العصور الأخيرة » .
ثمّ يتحدّث عن المشكلة التي خلقتها النزعات القومية والوطنية في أوروبّا وآثار هذه المشكلة في الشرق نتيجة لتقليده الغرب ، ويقول : « فالوطنية والقومية بمعناهما الحالي لم تكونا مع الأسف خطوة في سبيل الاستقرار ، بل كانتا عاملًا لزيادة الاضطراب العالمي ، وسبباً جديداً لنزاع أوسع دائرةً وأعصى حلّاً .
فإنّ الوطن باعتباره مُقاماً جغرافياً لقومٍ من الأقوام لم يستطع أن يحدّد حدوداً لجنسه من غير أن يصطدم بقوم آخرين وبانتشارهم ، ولم تساعد الطبيعة إلّانادراً على تحديد
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 585
مساهمون: محمد الساعدي
ص٥٨٥