تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 590

مساهمون:

ص٥٩٠
والاستبداد مفسد للتربية باستبعاده السياسة وشؤون الاجتماع البشري من نطاق العلوم التي يربّى الناشئة عليها . وهو مفسد للعلوم عندما يستبعد علوم الحياة التي تفتق ملكات الإبداع والنقد والمقاومة من إطار العلوم التي تسمح النظم المستبدّة بدراستها ، ففرائص المستبدّ ترتعد من علوم الحياة ، مثل : الحكمة النظرية ، والفلسفة العقلية ، وحقوق الأُمم ، والسياسة المدنية ، والتاريخ المفصّل ، والخطابة الأدبية . . إنّه يخاف من العلوم التي توسّع العقول ، وتعرّف الإنسان ما هو الإنسان ؟ وما هي حقوقه ؟ وهل هو مغبون ؟ وكيف الطلب ؟ وكيف النوال ؟ وكيف الحفظ ؟ والاستبداد مفسد للاقتصاد ؛ لأنّه يحوّل ثروة الأُمّة التي هي عطاء اللَّه وفيضه في الطبيعة من دائرة « اشتراك الأُمّة فيها » إلى حيث تصبح احتكاراً لقلّة من الأغنياء ، يصبحون أعواناً للمستبدّ ؛ إذ الأغنياء ربائط المستبدّ ، يذلّهم فيئنّون ، ويستدرّهم فيحنّون ، ولهذا يرسخ الذلّ في الأُمم التي يكثر أغنياؤها . ولذلك جاءت دراسة الكواكبي عن الاستبداد فريدة في بابها ، وأصبح كتابه « طبائع الاستبداد » وحيداً في موضوعه ، وشغلت هذه القضية مكان المحور في مشروعه الإصلاحي . ومن كلماته الجامعة في الحرّية والاستبداد : « إنّ الهرب من الموت موت ، وطلب الموت حياة . . . وإنّ الخوف من التعب تعب ، والإقدام على التعب راحة ! . . . والحرّية هي شجرة الخلد ، وسقياها قطرات من الدم المسفوح . . . والأسارة ( العبودية ) هي شجرة الزقّوم ، وسقياها أنهر من دم المخاليق المخانيق . . . والاستبداد لو كان رجلًا وأراد أن ينتسب لقال : أنا الشرّ ، وأبي الظلم ، وأُمّي الإساءة ، وأخي الغدر ، وأُختي المسكنة ، وعمّتي الضرّ ، وخالي الذلّ ، وابني الفقر ، وبنتي البطالة ، وعشيرتي الجهالة ، ووطني الخراب ، أمّا ديني وشرفي وحياتي فالمال ، المال ، المال ! » ، فالحرّية أُمّ الفضائل جميعاً ، والاستبداد رأس الرذائل بإطلاق .
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 590 | محمد الساعدي