تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 425

مساهمون:

ص٤٢٥
شبيبة الزيتونة من الطلّاب هم معقد الرجاء ، فجعل يعقد المجالس العلمية معهم ليخرج بهم عن دائرة المقرّرات العلمية إلى فضاء الإصلاح الإداري الذي يسير فيه خير الدين على هدى وبصيرة ، كما أخذ يقرأ عليهم فصولًا من كتاب « أقوم المسالك » الذي نشره خير الدين ليعلن رأيه العلمي في إنهاض الشعوب الإسلامية بعامّة ، والشعب التونسي بخاصّة . . وبعض الناس يقول : إنّ الشيخ سالم هو الذي كتب فصوله ، وهذا بعيد بعيد على حدّ تعبير الدكتور محمّد رجب البيّومي ؛ لأنّ عون الشيخ قد وقف عند تهيئة النصوص الشرعية الدالّة على الإصلاح والآمرة به ، وليس هذا بالشيء اليسير ، فكتب الفقه حينئذٍ كانت بعيدة كلّ البعد عمّا يتّجه إليه المصلحون ؛ لأنّها اختيرت من المؤلّفات المتأخّرة التي اكتفت بشرح المتن وكتابة الحاشية ، وحَرفت الهمم إلى فَهْم عبارات المؤلّف والتعبّد بما قال ، حتّى إذا وُجد خطأٌ واضحٌ فلا بدّ من احتيال تصحيح له ، وقد كثر الطرق على وجوب الإصلاح حتّى أصبح من المقرّر أنّ الشريعة لا تتعارض مع الإصلاح ، وأنّ التنظيمات ضرورية للوطن التونسي ليلحق بدول أوروبّا المتحضّرة . كما اتّسع مجال سالم في الكتابة ، حتّى شهد له أحمد فارس الشدياق حين قرأ فصولًا من بيانه النقدي ، إذ كان حكماً بين الشدياق وخصومه ، فأبان عن مقدرة لغوية فائقة ، ساعده عليها استظهاره للقاموس في عهد الصبا الأوّل ، وقد بلغ من إعجاب أحمد فارس بالشيخ أنّه قال لخير الدين : « إنّ سالم أبا حاجب ليس في المنزلة التي يستأهلها ، وإنّ النهضة لن تبلغ مرتقاها دون أن يكون من أكبر دعاتها البارزين » ، وهذا ما قاله أُستاذه الشاعر المصلح محمود قابادو ، وما أكّده محمّد بيرم وأحمد كريم ، وكان خير الدين يرى ذلك ، ويخشى أن يثب بصاحبه إلى ما فوق مستوى أساتذته ، فتثور عليه الثوائر ، ولكنّه أمام إجماع هؤلاء الكبار دفع به إلى رياسة المجلس البلدي ، ثمّ اختاره عضواً بارزاً في لجانٍ عدّة ، وجدّ من الملابسات ما أوجب عزل خير الدين ، فانقطعت حركة الإصلاح إلى حين ، وحاول الشيخ سالم أن يُسالم من خلفوه من الجنرالات ، ولكنّه كان يحفظ أمامهم مقام خير الدين ويردّ غيبته ، وتلك شجاعة خلقية كريمة ؛ لأنّ أكثر الوصوليّين قد أخذوا ينبزون