تونس ، ومنهم من وصل إلى المناصب العليا في الإدارة والسياسة والقضاء ، ولذلك من الآثار القوية في نهضة البلاد ما لا ينكره إلّاجحود عنيد .
وكان من حظّ الزيتونة أنّ الشيخ قضى في رحابها خمسة وستّين عاماً مدرّساً وأُستاذاً ، وهي مدّة لم تتح لغيره ، وقد ساعدت على إعداد أفواج كثيرة من الطلّاب صاروا علماء من بعده ، منهم من سار على نهجه ، ومنهم من جاوزه في تلقّي علوم إدارية وقانونية أهّلته ليكون رجل إدارة وولاية ينتفع به في شتّى مرافق الحياة العالية .
وقد شرح الشيخ لطلّابه كتاب « صبح الأعشى » للقلقشندي ، كما شرح كتاب « المزهر » للسيوطي لأوّل مرّة بالزيتونة ، وحين أرجف قوم بأنّه يتجافى كتب العلم الأصلية لصعوبتها عمد إلى « المطوّل في البلاغة » للسعد التفتازاني فشرحه في سنوات عدّة ، كما شرح كتاب « المغني » ، وهما عمدة البلاغة والنحو ، فبرز في شرحهما أتمّ تبريز . . وقد نافس الشيخ عمر ابن الشيخ في شرح كتاب عضد الدين الإيجي فلم يقصّر عنه ، على أنّه رأى أن يتّجه بالتعليم إلى مدى أفسح من الزيتونة ، فساعد خير الدين في إنشاء « الصادقية » على نمط « دار العلوم » بمصر ، فمع اهتمام الصادقية بعلوم اللغة والتشريع أضافت العلوم الحديثة إلى مقرّراتها ، فكانت خطوة تالية للزيتونة ، وطبيعيٌّ أن يغضب بعض الجامدين لإنشاء الصادقية ويعدّونها مزاحمة للزيتونة لا مكمِّلة لها ، وهذا ما نبّه إلى خطره الشيخ سالم ، فدعا شيوخ الزيتونة النابهين للتدريس بالصادقية ليروا كيف يحتفل المعهد الجديد بتراث الإسلام الخالد كما تحتفل الزيتونة .
وقد نجحت الصادقية في تكوين جيل علمي ناهض ، فأدّى ذلك إلى تطوير الزيتونة في مناهجها وطرق تدريسها ، فاشتملت بها المناهج لأوّل مرّة على الرياضيات والطبيعيات ، كما نظّمت أعمال الامتحان ، ومراقبة الحضور والانصراف بالنسبة للأساتذة والطلّاب ، وتلك إحدى ميزات التنافس العلمي بين المعاهد المختلفة ، حيث يأخذ كلّ معهد من غيره أحسن ما لديه !
وتابع الشيخ إصلاحه التعليمي ، فسعى إلى إنشاء « الخلدونية » مع جماعةٍ من محبّي
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 427
مساهمون: محمد الساعدي
ص٤٢٧