تلاميذ المرحلة العالية ؛ لأنّه من العمق والغوص والاستطراد والتعقيد أحياناً بحيث لا يصبر عليه غير الشيوخ ! أمّا الذي أذكى في نفسه حبّ الأدب الخالص إذكاءً ترتفع حرارته كثيراً فهو أديب العصر محمود قابادو ، حيث وثّق صلته به ، وكان محمود قابادو مؤسّس نهضة أدبية رائعة في البلاد ، وقد دعا إلى تعلّم اللغات الأوروبّية ، ودراسة العلوم الحديثة ، فأُعجب الأُستاذ بتلميذه ، وتطارحا الشعر على صفحات الجرائد ، وعظمت ثقة الشيخ سالم بنفسه ، فكان يحضر مجالس الشيوخ بالزيتونة ، ويسمع ويعارض ، ومنهم من ضاق به ذرعاً ، ومن لمح فيه بوادر اليقظة الفكرية فاستدناه وقرّبه ، ومنهم الشيخ محمّد بيرم الذي قدّمه إلى رجال الدولة وكبار الساسة ، فعقد صلته بالجنرالات خير الدين وحسين ورستم ، وهم ذوو الأمر في البلاد والقائمون على الإصلاح الإداري .
كان خير الدين التونسي أبرز مصلح تونسي ظهر في القرن التاسع عشر ، وحين وضع قواعد الإصلاح الإداري والسياسي وانتقل بها من حيّز الاقتراح إلى حيّز التنفيذ ، خاف أن يجد من شيوخ الزيتونة معارضة قوية ، ولهؤلاء صوت مسموع في الأُمّة ، ولا بدّ أن يَحوز رضاهم التامّ كي تمتنع الثوائر في الداخل ، وَحسبُه ما يلقى في الخارج من اعتراضات ، ولا بدّ لإقناع الشيوخ من منطقٍ ديني يؤمنون بنصوصه ويعتقدون قواعده ، وتلك مهمّة سالم أبي حاجب ، حيث انبرى يكتب في الصحف عن سعة الشريعة الإسلامية وصلاحيتها لكلّ زمان ومكان بما تتضمّن من قواعد عامّة تندرج تحتها جزئيات كثيرة ، كما أوضح أبواب الأُصول ، مثل : سدّ الذرائع ، والعرف ، والمصالح المرسلة ، والاستحسان . وضَربَ لكلّ من هذه الأُمور أمثلة من الواقع العلمي ، متحدّثاً عن الشورى وتطوّر نظامها بحيث لا تُخالف الجوهر المراد عن مشروعيتها ، كما أمدّه التاريخ الإسلامي بأمثلة تتّفق مع ما يُراد من الإصلاح الداخلي من التنظيمات الإدارية والتشريعات الضرائبية .
وقد فُوجئ بعض العلماء بهذه الآراء ، فعكفوا على كُتبهم يحاولون الردّ عليها ، ولكنّهم لم يجدوا القدرة الأُسلوبية على بسط ما يريدون ؛ لأنّ البيان لا قيمة له إذا لم يؤيّده منطق صائب ، أو دليل ملزم من كتاب أو سنّة ، لذلك سكت من سكت عن ألم ، وأحسّ الشيخ أنّ
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 424
مساهمون: محمد الساعدي
ص٤٢٤