التي بين جنبيك أهون وأحقّ من صبر الناس عليك . . وممّا يذمّ للصبي صرف الهمّة لتحسين اللباس والطعام ، والتقدّم على من هو أسنّ منه في الكلام . وكان من تربية لقمان لابنه : يا بني ، إن كنت تشكّ أن تموت فاجتهد ألّا تنام ، وإن كنت تشكّ أن تستيقظ فاجتهد ألّا تستيقظ بعد المنام . يعني : كما أنّك تنام فلا بدّ أن تموت ، وكما أنّك تستيقظ من نومك فلا بدّ أن تُبعث ، ومثل هذا وإن كان من قياس التمثيل الذي لا يُفيد القطع بالدليل ، لكنّه يغرس في النفوس عقيدة فطرية ، تجري مَجرى الجِبِلّيّات الجبرية » .
يقول الدكتور البيّومي معلِّقاً : « هذا بعض ما كتبه سالم في كتابه الوحيد الذي نشره مطبوعاً ، ولعلّه لم يطبعه إلّاليؤدّي رسالة المنبر في عصر لم يكن فيه خطيب منبري يجري على سنَنٍ صحيح ؛ إذ كانت موضوعات الخطب كلّها تحذير من النار ووصف لهول القبر وعذاب جهنّم ، وتصوير للأساطير الإسرائيلية ، ودعوة للزهد والانصراف عن الحياة ، وهي غفلةٌ لا أدري كيف وقع فيها هؤلاء الخطباء ! ولم يكن الأمر كذلك في تونس وحدها بل في كلّ بقاع العالم العربي حين فُهم الدين على غير وجهه الصحيح ، فاضطرّ سالم إلى أن يُنبّه الناس إلى العمل الصالح في الحياة ، وإلى أنّ الإسلام دين الكرامة والفخر والنهوض ، وله من الفضائل ما يجب أن يتردّد دون انقطاع ، وله من رعاية الإنسان ابناً وأباً وجدّاً ما يضمن تعاون الأُسرة التي هي بارتفاعها أداةٌ لرفعة الأُمّة ! في هذه المعاني جالت خطب سالم ، وقد أسلفنا أنموذجاً منها يتحدّث عن رعاية الآباء للأبناء .
وفي المصلحين قومٌ لم يجعلوا القلم أداة إصلاحهم ، بل انطلقوا إلى الإصلاح العلمي في الدروس وفي المجتمعات الخاصّة والعامّة ، نعرف منهم نماذج لم تكتُبْ كثيراً ، ولكنّها فعلت كثيراً ، نعرف منهم في هذا العصر جمال الدين الأفغاني الذي ملأ الدنيا وشغل الناس ، ونعرف منهم حسن البنّا الذي سيقول التاريخ - أو قاله - : إنّه أبعد أثراً في نضاله الفسيح الممتدّ من جمال الأفغاني ، ونعرف منهم أخيراً سالم أبا حاجب الذي ترك ذكره في قومه وعلمه في صدور تلاميذه ، فدأبوا يذكرونه بالفضل ، ويُكرّرون مواقفه ، ويتحدّثون عن جهاده السياسي جوار الحديث عن مجده العلمي .
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 421
مساهمون: محمد الساعدي
ص٤٢١