من جملة الخصائص التي تميّزت بها بيانات الإمام في أواخر عمره : تأكيده على ضرورة التفات المسلمين إلى نوعين متضاربين من الفكر الديني والإسلامي ، فهو - واستناداً للشواهد التاريخيّة العديدة - يعتقد بأنّ الإسلام وسائر الأديان الإلهية ومنذ سحيق الزمان وحتّى اليوم عرضت بصورتين متضادّتين تماماً ، فمن جانبٍ كان الدين والإسلام المحرّف الذي استغلّه الظالمون والمستعمرون والذي ابتدعه المتحجّرون والقشريّون من رجال الدين الكاذبين ، ومن جانب آخر كان الدين والإسلام الحقيقي الذي حفظ وانتشل من أحضان الخرافات والشعبذات بدماء المجاهدين والمساعي الحثيثة لعلماء الدين الملتزمين طوال التاريخ ، وبذا فإنّ أحد أسرار موفّقية الإمام الخميني في قدرته على تحريك الأُمّة الإسلامية إنّما يتمثّل في قدرته على بيان هذا التضادّ المستمرّ بين هذيين النوعين وخصائص كلّ واحدٍ منهما .
والإمام الخميني يعتقد بأنّ عدم الالتفات والاطّلاع على هذه الحقيقة التاريخية هو الذي أدّى إلى نزول الاستعمار واستقراره في البلدان الإسلامية وابتعاد المسلمين عن عصور التحضّر والثقافة اللامعة التي كانوا عليها ، وبالنتيجة إلى ظهور هذه الوضعية الحالية ، حيث نرى - وللأسف - أنّ الحكومات الإسلامية التي رفع أسلافها شعار : « الإسلام يعلو ، ولا يُعلى عليه » ،
وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا
( سورة النساء : 141 ) ، تستجدي من أجل مواصلة حياتها والحفاظ على حدودها أعداء الإسلام من الكفّار والمشركين .
وقد عبّر سماحته عن تيّاري الفكر الديني والإسلامي المتضادّين بعبارتي « الإسلام الأصيل » و « الإسلام الأمريكي » ، فهو يرى بأنّ الإسلام الذي تُهمل أحكامه القرآنية المسلّمة وسنّة نبيّه الأكرم صلى الله عليه وآله فيما يتعلّق بالمسؤوليات الاجتماعية ، الإسلام الذي تترك منه أبواب الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعدالة الإسلامية والأحكام المرتبطة بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع الإسلامي ، الإسلام الذي يبعد المسلمين عن المشاركة في السياسة وفي تقرير مصيرهم ويرى أنّ الدين يتلخّص في