الانحطاط أصبحنا نرى أرض الإسلام تنقص من أطرافها ، ومظاهره تتلاشى ، وخيره يتضاءل ، وتحيط به الشرور المقتحمة ، وكانت علّة ذلك وعاقبته مواقف في العقيدة قنوعة غير طموحة تجنح للمحافظة ، وتخاف من الشرّ ، فلا تقتحم المخاطرات ، بل تؤثر الفرار والنجاة ، ولا ترى ارتياد المخاطر إلّاتهلكة ، ولا في الحركة إلّاتردّداً إلى الأرذل ، والفكر الإسلامي الذي أنتجته هذه المواقف العقدية في عهود الانحطاط فكر يدبّر عن واقعه الحاضر ويتشبّث بتراث الفكر الذي نشأ عن واقع سالف ، وذلك من فرط تعلّقه بالماضي وارتيابه بالحاضر وخوفه من المستقبل ، وحين يؤخذ فكر كان ثمرة تفاعل مع واقع معيّن مأخذاً مطلقاً وينقطع عن إطاره الواقعي يصبح تراثاً مجرّداً تنسدّ طرق الاجتهاد فيه والتجديد ؛ لأنّ التفاعل مع الواقع الحي هو الذي يعرّض الفكر لتحدّيات الظروف المتجدّدة كلّ يوم ، ويستفزّه إلى أن يستجيب لها فيتجدّد وينمو اضطراداً ، وبغير هذه الصلة تموت دواعي التجديد وعناصر الحركة والتوالد .
هذا ، ويدور جدال واسع حول الصلة بين العلوم الشرعية والعلوم الاجتماعية وسائر العلوم الحديثة الأُخرى ، فهل يمكن الإفادة من معطيات هذه العلوم وتوظيفها في حقل الدراسات الإسلامية ؟ وقد يذهب البعض إلى ما هو أبعد مدى من ذلك ، فيدعو إلى اصطباغ العلوم الحديثة كلّها بصبغة إسلامية ، وبالتالي أسلمتها بأسرها . . غير أنّ الشيخ حسن الترابي يقدّم حلّاً بديلًا يقوم على تحديد وظيفة تبادلية يمكن أن ينهض بها ما يسمّيه بعلم الطبيعة للعلم الشرعي وبالعكس ، وعلم الطبيعة لديه يعني ما يشمل العلوم الاجتماعية وعلوم الطبيعة كالفيزياء والكيمياء وغيرها ، بل أنّ الدكتور الترابي يعتبر كلّاً منهما مصدراً للعلم الإسلامي ؛ لأنّ العلم الإسلامي في نظره له مصدران : أحدهما عقلي ، والثاني نقلي ، وهذان المصدران يتّحدان في الإسلام ويتناصران ، ولا يمكن لأحدهما أن يستغني عن الآخر ، فلا يمكن أن تقرأ القرآن غير متدبّر ومتفكّر ، كذلك لا يمكن للفكر أن ينظر في الطبيعة ، ولا ينبغي له أن ينحصر بين الأشياء المشهودة ، بل لا بدّ للإنسان كذلك أن ينفعل بعلم الوحي والغيب حتّى ينفذ إلى أعماق الطبيعة ويهتدي بالعلم كلّه إلى خالق الطبيعة ، فالعلم الطبيعي
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 301
مساهمون: محمد الساعدي
ص٣٠١