الشرع ، كسباً اجتهادياً ينفعل بالبيئة أيضاً ويخاطبها مباشرة ، وقد حدثت منذئذٍ تحوّلات مادّية وثقافية كبيرة ، لا تطوّراً وتراكماً من تقدّم المسلمين ، بل طفرة جرّتهم إليها هجمة الحضارة الأجنبية الغربية ، هكذا نشأت قطاعات واسعة من الحياة لا يشملها الفقه التقليدي ولا يغطّيها .
ويتبدّى أحد أبعاد قصور الفقه بقصور منهج الاجتهاد التقليدي الذي يبتني على أُصول الفقه القديم ، فعلم أُصول الفقه القديم منسوب إلى البيئة الثقافية التي نشأ فيها أو التي تكاملت فيها أبنيته وصياغاتها الأخيرة ، ولذلك تلبّس بمفهومات المنطق الصوري التقليدي بأشكاله ومصطلحاته ، ومن ذلك غدا علماً نظرياً مجرّداً للتأمّل ، ولكنّه جاء عميقاً منبتاً عن الواقع الخصب بالحياة ، ولا يكاد يؤهّل الماهر فيه لأن يولّد فقهاً أو يمارس اجتهاداً ، هكذا كان مصيره في التاريخ ، لم يؤذن تمام صياغته بنهضة للفقه ، وتحجّر من بعدها ، إلّافي أحوال أفلت المجتهدون فيها من المعهود الأُصولي ، ولا يمكن أن تغشانا الغارة الفكرية الغربية بخيرها وشرّها ومناهجها المنطقية الوضعية والنسبية والتجربية دون أن تبدّل المعطيات الفكرية الأساسية التي أثمرت الفقه الأُصولي القديم . . إنّ بعض أُطروحات علم الأُصول أو منهج الفقه والتشريع الإسلامي التقليدي وبعض مصطلحاته ، لا تشفي حاجات النهضة الفقهية ، ولا تناسب البيئة المادّية الاجتماعية والثقافية الحاضرة ، ولا تلبّي دواعي تجديد الفقه .
وأخيراً يؤكّد الدكتور الترابي أنّ المجدّدين إذا سلموا من الاتّهام في نياتهم فإنّ فقههم لا يسلم لغرابته من الاتّهام بالمروق على الدين وحركتهم من الاتّهام بالتطرّف والتهوّر ، ويدخل الهوى أحياناً في الصراع تنافساً على الوجاهة والقيادة لدى العامّة المسلمة ، أو فرقاً من تبعات التجديد ومجاهداته المضنية ، وقد وئدت كثير من حركات التجديد ؛ لأنّها اصطدمت بطبقة الشيوخ التقليديّين الذين كانوا يمثّلون الشرعية الدينية لدى السواد الأعظم من المسلمين ، بثقافتهم وهيئتهم وسمعتهم الخاصّة ، ويشكّل هؤلاء في كثير من البلاد طبقة متمكّنة تعوق التجديد كلّه ، أو تضطرّه إلى مدخل رفيق بطيء .
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 303
مساهمون: محمد الساعدي
ص٣٠٣