حسب ما هو أوقع على المخاطبين المعيّنين وألزم لهم ، وتتباين فيما تتناوله من دحض باطل المعبودات الواقعة والعقائد السائدة والمذاهب الوضعية ، لتقارن الحقّ مع تلك الضلالات الماثلة وتهدي إلى النور وراء الظلمات القائمة ، وتتباين أساليب المخاطبة والمعادلة حسب البيئة الثقافية والتراث الخاصّ بالأُمّة المخاطبة وظروف الرسالة .
أمّا متى تقع الحركة في شرع اللَّه ويتحوّل الحكم الشرعي ؟ فهو حين يكون الحكم الأوّل مختصّاً بزمان معيّن وظرف بعينه ، ولا تنسخ الشريعة الإلهية إلّابوحي جديد ، فإذا جاء أجلها بعث اللَّه رسولًا جديداً ؛ لتبديل ما أحلّ اللَّه أو حرّم لظرف محدّد في أُمّة خالية ، وقد تتوالى الشرائع متحرّكة مع تقادم الزمن بوحي جديد لا ينسخ القديم ، وإنّما يبعثه بعد نسيان ، ويظهره بعد خفاء إصابة بعد تطاول العهد وتضييع المتسحفظين أو تحريفهم ، فتأتي الرسالة مصدّقة لما بين يديها لتحيي موات الدين ، أو مصدّقة ومهيمنة لتحيي شرع اللَّه وتكيّفه لتطوير جديد يقتضي تعبيراً عن حقّ الملّة الثابت بصورة تديّن ظرفية تكون هي الحقّ الزماني النسبي ، بعد أن غدت الصور التي كانت مشروعة غير وافية بمقصد العبادة للَّه بسبب تحوّل قاعدتها الظرفية ، ففي مجال الشعائر التعبّدية الخالصة تثبت مشروعية الصلاة أو الصيام أو الزكاة أو الحجّ في الرسالات المتواترة ، ولكن صورها قد تتبدّل ، من حيث قبلة الصلاة وشرائطها وهيئتها ، وميقات الصيام ونظمه ، وقبلة الحجّ ومناسكه ، وأقدار الزكاة ومصارفها . . فمن الشريعة كلّيات ثابتة هي تراث الرسالات الدينية الباقي أبداً ، ومنها أحكام قطعية ثبّتها اللَّه في وجه صروف الزمان والمكان ؛ لأنّها أُمّ الكتاب ، ومحاور الحياة الدينية التي تضبط حركتها على الدوام ، ومنها مبادئ عامّة ، ومجملات مرنة ، وظنّيات واسعة يمكن أن تنزّل على الواقع بوجوه شتّى تبعاً لتطوّر ظروف الحياة وعلاقاتها وعلم الإنسان وتجاربه .
هذا ، ويميّز الشيخ الترابي بين نحوين من تجديد الدين يصطلح على الأوّل « الإحياء » فيما يصطلح على الثاني « التطوير » ، ويعتبر الأوّل ممّا يمثّل الدرجة الأدنى من التجديد ، في حين يمثّل التطوير الدرجة القصوى ؛ لأنّ الإحياء كما يقول يهدف إلى بعث شعاب
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 299
مساهمون: محمد الساعدي
ص٢٩٩