الإيمان الميّتة في النفوس ، بتطاول الآماد وقسوة القلوب ، من خلال التذكير بأُصول الدين والموعظة بوازعه ودافعه ، ويهدف الفكر الخامل والعلم الضائع بثّ أُصول الشريعة وعلوم التراث ، وإثارة لطاقات الحركة ، لتصحيح الواقع الديني المجانب لمعايير الدين ، ولمّا كان دين اللَّه الحقّ محفوظاً في أُصوله الباقية ، فإنّما يطرأ الموت والخمول والفتور على كسب المؤمنين وتديّنهم ، فحركة الإحياء بعث للروح ، ويقظة للعلم ، ونهضة للعمل ، تتصوّب بنحو التديّن لترتفع به نحو كمالات الدين .
أمّا التطوير فإنّه يهدف إلى ما هو أعظم من مجرّد الإحياء بالبعث والإيقاظ والإثارة ؛ لأنّه يكيّف أحوال التديّن التاريخية لطور جديد في ظروف الحياة ، وينهض بالدين نحو كسب يثري معانيه ويؤكّد وقعه بوجه جديد . ولا يتأتّى ذلك بالخروج من أُطر الدين الحقّ ، بل عبر تصريف للمعاني والأحكام والنظم المركّبة في سياق نصوص الشريعة ذاتها ، ممّا يتيح إنشاء أو يكون إعمالًا لمعان علقت بعلل ظرفية دائرة ورتّبت لتدور معها وتحوّل بحولانها ، أو يكون التجديد إتماماً لما شرّعه الدين من مقاصد بتنزيل مجملاته وحمل توجيهاته على الواقع المعيّن ، أو يكون التجديد نسخاً لما أُلحق بأُصول الشريعة من فقه السلف الاجتهادي وكسبهم ، استدراكاً يعطّل ما ثبت خطؤه بمزيد تدبّر نظري أو تجربة تاريخ تكشف الحقّ وتعمّ الخلق ، أو تبديلًا يهمل ما كان صواباً لزمانه ، ولكن حالت الظروف التي ناسبته ونصبته صواباً ، وغدا لزاماً أن نبحث عن الحقّ النسبي الجديد ، فحركة التطوير لا تغشى أُصول الشرع ولا تنسخها ، وإنّما ترد على وجوه التديّن بها والاجتهاد لفهمها وتحقيقها ، فما أحاله الشرع للظروف يصرف بحسبها ، وما جعله لرأينا وكسبنا رهين بأحوال النقص والاستدراك البشري .
كما يرى الشيخ الترابي أنّ الصلة عميقة جدّاً بين الفكر والواقع ، فحين انقطع فكرنا عن الواقع حرم من كلّ مدد يصله بأُصول الحياة ، وغدا محفوظات نقلية ، والفكر الإسلامي الذي نشأ في سياق حركة الانحطاط التي لازمتنا دهراً طويلًا كان فكراً منحطّاً ؛ لأنّه إذا انحطّ الواقع انحطّ الفكر ، وإذا تحرّك الفكر تحرّك الواقع ، فهما متلازمان تماماً . . فمع حركة
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 300
مساهمون: محمد الساعدي
ص٣٠٠