تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 297

مساهمون:

ص٢٩٧
يتقلّب مع تلك الحادثات ، وأن يتطوّر حتّى يضمن دائماً استقامة على القبلة والوجهة إلى اللَّه سبحانه وتعالى ، ليكون على صراط مستقيم ، مهما تقلّبت به صروف الدهر وأحواله . أمّا إذا ثبت المرء على حالة واحدة من التديّن فإنّ الدهر بتقلّبه سيجرفه أو يقطعه عن وجه اللَّه من حيث يحسب هو ويتوهّم أنّه ثابت على التوجّه القديم . وذلك هو مغزى الطبيعة الابتلائية في الحياة الدنيا ، فاللَّه قد شاء أن يبتلينا بالتفاعل مع الكون ، وقد كان للَّه‌لو شاء أن يبقينا في مسرح الجنّة نعبده على وجه واحد مطلق ، ولكنّه أنزلنا إلى الأرض وحياتها الدنيا وابتلانا بمختلف صروفها وظروفها ، يمتحننا أحياناً على الصعيد الاجتماعي بالرخاء ، ولكنّه لا يديم علينا رخاءه ، وإنّما يسلمنا إلى الشدّة أحياناً أُخرى ؛ لينظر كيف نعمل في كلّ حال ،
وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ
( سورة الأنبياء : 35 ) ، ويمتحننا اللَّه على الصعيد الحضاري بتحدّ يرد علينا من الخارج عدواناً وغزواً ، كما يمتحننا بتحدّ يقع علينا من الداخل مرضاً وانخذالًا في وحدتنا أو نهضتنا . إنّ الجمود والتمسّك الحرفي بالقديم ، واستعادته بصورته ومحتواه بتمامه ، يعني محاولة قسرية للعودة بالزمان إلى الوراء ، فإنّه مهما جمد الفكر فإنّ الحياة لا تتوقّف ، بل تجتاح الحياة أطوار وأحوال مختلفة بمرور الزمان ، فكيف يفي الفكر الذي أفرزته أطوار ماضية بمتطلّبات الأيّام المتغيّرة ؟ ! إذن ينبغي عدم الخلط بين العناصر الثابتة والمتغيّرة في الدين ؛ كيما نضمن استمرار رسالة الدين وخلودها . ويثير الدكتور حسن الترابي مجموعة اعتراضات طالما تردّدت بين بعض الذين يريدون استعادة الماضي كما هو ، منها : أنّ الدين من حيث تعلّقه باللَّه القديم الباقي لا يخضع في شيء لأحوال الزمن وأطواره ، ولا نتصوّر فيه مفارقة بين قديم وجديد ممّا نعالجه بالتجديد ، في حين ردّد الدهريّون أنّ الدين بل الوجود كلّه متقادم بائد . ثمّ يجيب الشيخ الترابي على مثل هذه الاعتراضات ببيان العناصر الثابتة والعناصر المتحرّكة في الدين ، وكيف أنّ الدين مثلما استطاع أن يوحّد بين الدنيا والآخرة وحظّ
موسوعة أعلام الدعوة والوحدة والأصلاح — صفحة 297 | محمد الساعدي