هذه المذاهب ليست من أصل الدين ولم توجد ليعتنقها الناس أو لكي كون ملزمة لهم ، بل وجدت على أنّها آراء لأصحابها فيما عرض عليهم أو تعرّضوا له من المسائل والمبادئ ، تتمثّل فيها أفكارهم وأنظارهم ، ويتبيّن منها حكمهم على الأشياء أو حكم اللَّه في نظرهم .
فاللَّه سبحانه وتعالى لم يأمر المسلمين بالتمذهب بمذهب بعينه ، بل أمرهم بطاعة اللَّه وطاعة الرسول وأُولي الأمر بقوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا
( سورة النساء : 59 ) .
3 - إنّ وجود المذاهب المتمايزة بأسمائها وأتباعها الذين ينتسبون لها ولا يرون الحقّ إلّا فيما ذهبت إليه ليس ضرورة حتمية لوجود الخلاف ، بدليل أنّ الخلاف موجود فعلًا في إطار المذهب الواحد دون أن ينقسم المذهب إلى مذاهب متعدّدة تنتسب إلى أصحاب هذا الخلاف . من ذلك مثلًا ما نراه في مذهب أبي حنيفة ، حيث نرى اختلافاً كثيراً بينه وبين أصحابه أبي يوسف ومحمّد وزفر واختلافاً بين بعضهم مع بعض في كثير من المسائل دون أن ينقسم هذا المذهب إلى مذهب لأبي حنيفة ومذهب لأبي يوسف ومذهب لمحمّد وهكذا .
4 - إنّه من المهمّ جدّاً لدراسة المذاهب الفقهية دراسة دقيقة عميقة محيطة بجميع نواحيها واتّجاهاتها وموازنة بعضها ببعض وترجيح بعضها على البعض أن نرجع هذه المذاهب إلى أُصولها ونتبيّن إن كان بينها اختلافاً في الأُصول والمبادئ أم ليس بينها اختلاف في الأُصول والمبادئ ، فلا يكون هناك محلّ للإبقاء على التعصّب والتنافر .
5 - إنّ بيان مواقع الاتّفاق ومحاولة التقريب بين المذاهب في الأصل تشترك في الأُصول والمبادئ والأدلّة التي تستقي منها الأحكام الشرعية ، له أهمّيته العظمى وأثره القوي في جواز التلفيق بين الآراء من المذاهب المختلفة والخروج منها برأي موحّد مؤلّف من رأيين أو أكثر أو عدم جواز ذلك ؛ لأنّ أُصول الآراء إذا كانت مختلفة متعارضة لم يكن من المقبول التلفيق بينها بأخذ رأي في مسألة من المسائل يعتبر مزيجاً من جملة آراء تتعارض أُصولها بعضها مع بعض ؛ لأن كلّ أصل اعتمدت عليه في ناحية يستلزم بطلان ما أخذت به