تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 254

مساهمون:

ص٢٥٤
ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم ، إنهم أمّة واحدة من دون الناس . فالأمّة هنا كيان اجتماعي عقائدي في طور النمو والتكون لأنه مرتبط بحركة مستقبلية قيد التكون : من تبعهم ولحق بهم وجاهد معهم . فهذا الكيان يمرّ بحالة صيرورة مشروطة بالعقيدة الجديدة والإيمان بها « 1 » . وتُعتبر الأمّة هي القاعدة التي يقوم عليها البناء السياسي الإسلامي ، وهي المحصلة لمجمل التفاعلات التي تجري بين الأفراد والجماعات الإسلامية ، لقد كانت فكرة الأمّة وما زالت فكرة متميزة في تاريخ الوعي الإنساني استطاعت أن ترتفع بالجماعة الإسلامية إلى مستوى سامق لم تعرفه البشرية من قبل أو من بعد . فقد استطاعت الرسالة الإسلامية الخاتمة من خلال مفهوم الأمّة أن تتجاوز أواصر الدم والعرق إلى آصرة الأمّة المتحدة على أساس العقيدة والفكرة والمبدأ . نعم عرفت المجتمعات البشرية في الشرق والغرب أشكالا من الوحدة الدينية ، فوحّدت الديانة اليهودية القبائل العبرية في فلسطين ، كما وحّدت الديانة النصرانية الشعوب والقوميات المكوّنة للممالك الأوربية . بيد أنّ الوحدة الدينية في هذه التجارب لم تتمكن من السمو والارتفاع على الرابطة العرقية القومية ، بل بقيت ذليلة وخاضعة لها ، فلم يميّز اليهود العبريون بين الرابطة اليهودية الدينية والرابطة العبرية القومية ، بينما وظّف قياصرة الروم ، بدءاً من قسطنطين ، الدين النصراني لتعزيز سلطتهم السياسية وتوسيع هيمنتهم وتوحيد ثقافتهم . ولم تلبث الديانة النصرانية أن استخدمت من قبل السلطة الحاكمة ذريعة لاضطهاد الأقليات الدينية والعرقية التي لم تخلص ولاءها للسلطة السياسية وتطهير البلاد الرومية والبيزنطية منها « 2 » . والأمّة في معناها الإسلامي مفهوم مجرّد لا يكتفي بذكر جماعة ومتّحد إقليمي فحسب ، بل يدلّ أيضاً على أمّة مؤمنين عابرة للزمان وللمكان معاً ، خارقة للتاريخ والجغرافية .
هامش
( 1 ) نزار عبد اللطيف ، الأمة والدولة : 133 . ( 2 ) العقيدة والسياسية : 83 .