إنّ هذه الأمّة الحيّة والملموسة سياسياً كيان جغرافي يجري تجريدها نظرياً ونصّياً ، وإخراجها من كيانها التاريخي ، بحيث لا يمكنها التعبير مباشرة عن ذاتها .
ويتم إلجاؤها إلى التعبير بالواسطة ، الشورى مثلا والبيعة « 1 » فهنا يأخذ المفهوم أبعاداً متعددة لا يمكن أن تتحدد بالطابع السياسي أو الجغرافي مثلا ، أو تكون لها نقطة بداية ونهاية ، وعلى هذا قال موسى ( ع ) مترجياً اللحاق بها : ربّ اجعلني من أمّة محمد « 2 » حيث بلغت هذه الأمّة غايةً ودرجة تؤمّها الأمم والفرق والجماعات والأفراد ، ومن هذا جاءت دعوة إبراهيم وإسماعيل ( ع ) كما ذكر القرآن الكريم في قوله تعالى :
وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْماعِيلُ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ
« 3 »
.
فالمراد هنا أمّة نبيّنا محمد ( ص ) ، وهي أمّة فوق الزمان والمكان ، بل هي تيار وشعور وموقف وتاريخ يمتدّ من الماضي إلى الحاضر والمستقبل ، وكما تأكد في قوله تعالى :
كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ
« 4 »
.
وكانت للأمّة الإسلامية منذ البداية صفة مزدوجة فقد كانت من جهة مجتمعاً سياسياً ، ومن جهة أخرى كانت جماعة دينية أسسها رسول يحمل رسالة سماوية تفاعلت معه هذه الأمة . وقد مارست هذه الأمّة دورها السياسي في تكوين مجتمع إسلامي يندمج فيه الحاكم مع الرعية وتندمج الرعية مع إمامها السياسي والعبادي ، فقد كانت الأمة تمارس بأفرادها دور رجل الأمن في أزمتنا هذه في استتباب الأمن ورصد الانحراف وفق مبدأ هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وكذلك مارسوا دور رجل الجيش وحرس الحدود في الدفاع عن مصالح الدولة وأمن مواطنيها وفق مبدأ الجهاد والمرابطة ، وقل عن بقية مؤسسات الدولة ، وكأنّ الدولة هي المواطن والمواطن هو رجل الدولة وحارسها .
هامش
( 1 ) مفاتيح العلوم الإنسانية ص 63 رقم 173 .
( 2 ) ينظر بحار الأنوار 173 : 13 و 301 .
( 3 ) البقرة : 127 و 128 .
( 4 ) ينظر تفسير القمي 324 : 1 والآية 30 من سورة الرعد .