وفي هذا جاء الحديث النبوي
« كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » « 1 » .
فالناس كلّهم يشاركون الرئيس والقاضي وجابي الزكاة وكلّ عامل في المؤسسة الحكومية لتنفيذ أحكام الله وبسط العدل والنظام ، فالدولة والحكومة هي مؤسسة اجتماعية يتشارك فيها المواطنون ، وكأنّهم داخل أسرة سياسية واحدة لهم حقوق وعليهم واجبات ومسؤوليات مشتركة ، فمفهوم الحاكم والمواطن والأمّة يبدو هنا كأنّه صار شيئاً واحداً ، إلّا في موارد خاصّة ينفرد بها رجل السلطة في ممارساته عن بقية أفراد المجتمع ، كممارسة القضاء أو إجراء الحدود أو إعلان الحرب أو عقد هدنة أو مصالحة مع عدوّ داهم أرض المسلمين وغير ذلك من الممارسات السياسية التي حصرها الإسلام بيد أفراد معدودين ، وعليه فلا يمكن لعموم المسلمين من ممارسة دور سياسي خطير أو قضائي ينجم عنه اتخاذ قرار أو تنفيذه يعرّض الأمّة في قرار مثل هذا لمشكلات وأزمات لا يمكن معرفة عواقبها ، وفي ذلك يقول الصادق ( ع ) :
اتّقوا الحكومة ، فإنّ الحكومة إنّما هي للإمام العالم بالقضاء العادل في المسلمين ، لنبي أوصيّ نبي « 2 » .
أمّا المناخ السياسي العام وما يترتب على ذلك من نشاط سياسي يقوم به المسلم فهو محترم بل مندوب ، والمسلمون كلّهم كتلة سياسية واحدة والمصلحة والمنفعة تعود على الجميع كما تعود على الواحد الفرد ، وهم في صلاحياتهم ومعاناتهم متحدون ، فموقف الفرد المسلم هو موقف الجماعة وبالعكس أيضاً ، يقول النبي ( ص ) ذمّة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم ، فمن أخفر مسلماً فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين « 3 » .
وبناءً على هذا نقول بأن المجتمع الذي أراده الإسلام هو مجتمع سياسي متآلف ، والمجتمع السياسي الذي نصف به جماعة المسلمين يعني في نتيجته ومحصلته مجتمع التشاور والمعاضدة والنصيحة وكشف الأوراق السياسية وعرضها وعدم إخفاءها في غرف مظلمة لاتعلم الأمّة ماذا يجري ، وما هي الاتفاقات والقرارات التي تتّخذ .
فتغييب الأمة عن القرار السياسي ظلم لها . ولكن ما لا تدركه الأمّة ولا يبلغ علمها كنهه فلا
هامش
( 1 ) مسند أحمد 5 : 2 ، عوالي اللآلئ 364 : 1 ح 51 .
( 2 ) فروع الكافي 406 : 7 ح 1 باب أنّ الحكومة هي للإمامة .
( 3 ) سنن البيهقي 94 : 9 دار المعرفة بيروت ، مجالس المفيد : 186 .