ومن هذا فإنّ تاريخ الرسالة النبوية بلور فكرة الدولة ، أو قل وضع خطوطها العامة ، وتوثّقت وتوضحت في الممارسات السياسية والدينية التي كان المسلمون يطلقون عليها مصطلح السنّة النبوية . « في حين لم تظهر فكرة الدولة في أورپا ، بمعناها الصحيح ، إلّا في القرن السادس عشر ، عندما طُبّق الفصل بين السلطة السياسية ، التي هي أحد أركان الدولة وبين الأشخاص الذين يمارسونها » « 1 » .
إنّ شخصية الحاكم والإمبراطور والملك غيّبت مفهوم الدولة في التاريخ السياسي الأوروبي ، وعند استنطاق المكتبة السياسية ، يبدو لنا أنّ الفكر السياسي لم يعرف نظرية الدولة كما نفهمها اليوم إلّا بعد نضوج الأفكار الديمقراطية ونجاحها في الوسط السياسي ، فالالتفات إلى نظرية الدولة ومحاولة التقاط ولملمة خيوطها الأولى ينبغي أن يكون نحو الشرق الإسلامي الذي وضع النقطة الأولى لها في يثرب العاصمة النبوية الأولى للدولة الإسلامية .
والدولة كإصطلاح سياسي متداول في لغة القاموس السياسي اقتصر إلى وقت قريب في العصر الحديث على معنى الحكومة أو النظام القائم الحاكم أو الأسرة والجماعة الحاكمة ، أي معنى السلطة السياسية القائمة في زمان ما بمعزل عن عموم الكيان الجغرافي والبشري الذي تحكمه ، فقيل : الدولة الأموية سواء في المشرق أو الأندلس ، والدولة العباسية والدولة الإدريسية ، ودولة الأغالبة . . . إلخ . مهما اتسعت أو تقلصت الكيانات والحدود الجغرافية الإقليمية لهذه الدول .
وعندما تنقسم الجماعة الواحدة إلى مجموعتين تنفرد كلّ واحدة منها بدولتها فيقال : دولة المماليك البحرية ، ودولة المماليك البرجية ، على الرغم من أنّها حكمتا كياناً سياسياً واحداً هو مصر . وأنّ مصطلح دولة لم يُنسب في العربية إلى الكيانات الجغرافية الإقليمية ، فلم يكن شائعاً القول دولة مصر أو دولة الشام كما قيل دولة الصين مثلا ، أحياناً يُنسب هذا المصطلح إلى حاكم فرد بعينه فيقال مثلا دولة المأمون ودولة صلاح الدين ، ودولة ابن هود في الأندلس . . .
هامش
( 1 ) نظرية الدولة في الإسلام : 12 .