ويقول الشيخ جعفر السبحاني مشيراً إلى هذا التراث العظيم : فالإسلام الذي دعا إلى الجهاد والدفاع ، ودعا إلى إجراء الحدود والعقوبات على العصاة والمجرمين ودعا إلى انصاف المظلوم ، وردع الظالم ، وسنّ نظاماً خاصّاً وواسعاً للمال . .
إنّ الدعوة إلى كلّ هذه الأحكام تدلّ بدلالة التزامية على أنّ الله قد فرض وجود دولة قوية تقوم بإجرائها في المجتمع . إن الإسلام ليس مجرد أدعية خاوية أو طقوس ومراسم فردية يقوم بها كلّ فرد في بيته ومعبده . بل هو نظام سياسي ومالي وحقوقي واجتماعي واقتصادي واسع وشامل ، وما ورد في هذه المجالات من قوانين وأحكام تدلّ بصميم ذاتها على أنّ مشرعها افترض وجود حاكم يقوم بتنفيذها ورعايتها . لأنّه ليس من المعقول سنّ مثل هذه القوانين دون وجود قوة مجرية وسلطة تنفيذية تتعهد إجراءها وتتولّى تطبيقها ، مع العلم بأنّ سنّ القوانين وحده لا يكفي في تنظيم المجتمعات « 1 » .
ومن هذا يمكن رسم ملامح النظرية العامة للدولة في قراءة علمية جادّة لتراثنا الإسلامي ، كالفقه مثلا ، فأبواب الفقه التي كتبها الفقهاء في بحوث الجهاد والزكاة والخمس والحدود والمواريث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وغيرها كانت صورة نظرية لكيان الدولة والحكومة . « إنّ الفقه الإسلامي بأصالته وسماحته قد شمل جميع ما يحتاج اليه المسلمون من الأنظمة والقوانين ، وبيّن جميع ما يتّصل بالفرد والدولة من الحقوق والواجبات » « 2 »
فتصوّر مفهوم الحكومة والدولة لدى الفقهاء كان واضحاً لتحقيق مبادئ السماء وضبط وكبح النوازع البشرية وتهذيبها . وعند إجراء دراسة مقارنة لتاريخ الفكر المسيحي الذي هيمن على تاريخ سحيق في الغرب والشرق يتبيّن لنا فقر التجارب المسيحية لهذه النظرية المهمة .
فالتاريخ السياسي لأورپا لم يوضح لنا مفهوم الدولة كما تراه عيوننا في التاريخ
هامش
( 1 ) معالم الحكومة الإسلامية : 23 .
( 2 ) باقر شريف القرشي ، نظام الإسلام السياسي : 138 .