تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
الشرقي الإسلامي « وكلمة الملك : القانون الذي لا يمكن تغييره ولاتبديله ، يقول لويس الرابع عشر : الدولة أنا . إنّ الدولة بجميع إمكانياتها يعتبرها لويس ماثلة في شخصه ، فما يقوله فهو الحدّ الفصل في جميع الأمور ، وليس للرعية إرادة واختيار ، فإن أعلن الحرب وساق الجحافل إلى المجازر فعلى الشعب الطاعة والخضوع ، وقد عبّر ملك بريطانيا رتشارد الذي خلعه برلمانهم عن مدى استهتاره بحقوق الإنسان بقوله : القانون في فمي وكثيراً ما يكون سرّاً كامناً في صدري . لقد نظر الحاكمون في أورپا إلى رعاياهم نظرة مليئة بالاستخفاف والامتهان ، ففرضوا عليهم نفوذهم وسلطانهم واستبدوا في شؤونهم وحاربوا كلّ نزعة إصلاحية في البلاد كما أحاطوا نفوسهم بهالة من التقديس والإكبار واعتبروا أنّهم غير مسؤولين ولا محاسبين عن أيِّ جريمة أو ذنب يصدر منهم ، وقد أعلن غليوم الألماني في خطابه سنة 1898 : إنّ غليوم الأوّل قد أقام كنزاً واسع النطاق يجب علينا حفظه مقدساً ، هذا الكنز هو الملك المستمد من معونة الله ، الملك القائم على المسؤولية العظمى أمام الخالق دون سواه ، تلك المسؤولية التي لا يمكن لأيِّ وزير أو مجلس نوّاب أن يرفعها عن عاتق وليّ الأمر » « 1 » . ومن هذا يفهم بأنّ مفهوم الدولة الذي يُعرف في الدراسات الحديثة كان غائباً في التاريخ السياسي الغربي المسيحي ، والظهور السياسي لهذا المفهوم كان متأخراً عن الفكر السياسي الذي يلازمه ، فظهور دولة لديهم كظهورها في التاريخ الإسلامي الشرقي يبدو شاحباً ، وقد تجسّدت الدولة للمسلمين في بيان سياسي منذ السنوات الأولى للهجرة في يثرب . « فلقد كوّن النبي ( ص ) للمسلمين وحدة سياسية وألّف منهم دولة واحدةً كان هو رئيسها وإمامها الأعظم ، وكان له وظيفتان : الأولى التبليغ عن الله عزّ وجلّ ، وقد انتهى هذا بوفاته عليه الصلاة والسلام وانقطاع الوحي . والثانية : القيام على أمر الله وتنفيذ شرعه وتوجيه سياسة الدولة في حدود الإسلام » « 2 » .
هامش
( 1 ) باقر شريف القرشي ، نظام الإسلام السياسي ، دار التعارف بيروت : 179 . ( 2 ) فصل الدين عن الدولة : 64 .