والسياسيون معاً عند تفسير هذه الظاهرة وتساءلوا عمّا إذا كانت قد حدثت صدفة وبشكل عفوي ، ودخلها المجتمع الإنساني دخولا تلقائياً أم كانت عملا سياسياً مقصوداً ، عمدت إليه مجموعة الأفراد الذين شاركوا في المجتمع السياسي أو بعضهم . كيف حدثت ظاهرة الدولة ؟ وكيف انساقت التجمعات الإنسانية إليها ؟ وما هو تفسير ذلك ؟ وكما يبدو من طبيعة هذه الأسئلة أنّ البحث حولها بحث تاريخي ولئن كانت فيه جنبة سياسية فهي أيضاً في التاريخ السياسي للأمم « 1 » .
نشأة الدولة وتأسيسها
الدولة ليست مؤسسة دائمة من مؤسسات التاريخ ، وإنّما هي ظاهرة متأخرة عن الوجود والتجمع البشري ، وهناك من يعتقد أنّ أقصى تقدير لعمرها خمسة آلاف سنة ، فأول ما عاش البشر في جماعات ، ومن الجماعات تشكلت مجتمعات والمجتمعات أمدت نفسها بسلطة والسلطة تحولت إلى دولة « 2 » وقد ظهرت ونُوقشت نظريات متعددة تؤصل نشأة الدولة منها :
1 - نظرية التغلّب والقوّة : وهذه النظرية برزت إلى الوجود يوم أن كانت القوى البشرية في صراع دائم وكان المنتصر يفرض إرادته على المغلوب وتكون إرادة المنتصر على المجموع بعد ذلك ويكون بمثابة السلطة الحاكمة .
وهذه النظرية تلاشت لما طرأ على المجتمع الدولي من تحضر ، كما أنّ مؤسسات دولية قامت لتصون حدود المجتمعات وتحول بين الظالم وبين ما يتمناه ، هذا في الشكل .
أمّا المضمون فهناك الشعوب القوية صناعياً واقتصادياً وزراعياً وتجارياً تتحكم في الدول الفقيرة وتجعلها تعيش في تخلّفها ولا تخرج من حيّز نطاقها ، وإلّا فالويل لها ، وهذا هو سلاح القوّة الذي تستعمله الدول القوية ، وهو أكثر بطشاً وفتكاً ، في الدول الضعيفة من الأسلحة .
هامش
( 1 ) صدر الدين القبانچي ، المدهب السياسي في الإسلام ، دار الأضواء بيروت : 66 .
( 2 ) جورج طرابيشي ، في ثقافة الديمقراطية : 90 .