وبروزها بهذا المفهوم المعاصر ، وقد ترادفت آراء ودراسات عفوية وغير عفوية تتوجت إلى مستوى نظرية .
وحسب التصوّر الإسلامي تعتبر الدولة ضرورة ، وليست ظاهرة مرضية ، ولا حاجة مؤقتة ، إنّما جهاز يمتدّ بامتداد المجتمع الإنساني وعمره ، ولا يمكن بحال من الأحوال الاستغناء عنها ، كما أنّ بروز هذه الظاهرة - الدولة - على مسرح تاريخ المجتمع الإنساني لم يمكن عملية استغلال ، ومخادعة قامت بها الطبقة المالكة لحرمان الطبقة الفقيرة واضطهادها أكثر وتخديرها . إنّما الدولة ضرورة اجتماعية ملحّة ، لماذا ؟
أولا : لأنّ بناء ذات الإنسان والبلوغ بوضعه الأخلاقي إلى المستوى الأفضل وتوجيه كلّ دوافعه باتجاه الخير لا باتجاه معاكس يتطلّب عملية توعية ، وإرشاد وتوجيه ، كما يتطلّب من ناحية أُخرى عملية رقابة ، ومحاسبة وردع والوقوف بقوّة أمام كلّ مؤشر من مؤشرات الانحراف ، وهذا يتطلّب جهازاً أعلى يتولّى المهمة المذكورة ، وذلك هو جهاز الدولة « 1 » .
وضرورة الحكومة والدولة تترشح من قوله تعالى :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ * وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ
« 2 »
إنّ التوازن الاجتماعي لا يتحقق إلّا إذا تواجدت دولة قوية تمسك بأطراف البناء الاجتماعي والسياسي ، فالبشر جُبلوا على قانون تنازع البقاء الذي يؤدّي إلى تصارع الإنسان مع أخيه ووضعه في ميدان حرب ورماية يتقابل معه في هذا الجو ، فالرغبة الجامحة للإنسان للتشبّث بالبقاء تدفعه إلى التصادم مع أخيه الإنسان وحتّى في الخندق الواحد المتجانس ، وقد أشار القرآن الكريم إلى حقيقتين مهمتين أولاهما أنّ الدولة
هامش
( 1 ) صدر الدين القبانچي ، المذهب السياسي في الإسلام : 80 .
( 2 ) الحديد : 25 و 26 .