تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 224

مساهمون:

ص٢٢٤
تطور البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتمييزها ، ومن ثم تحديد الوسائل الأنجع لتنظيم الحياة السياسية وفق أحكام الشرع « 1 » . وقد كان القرآن والسنّة وما زالا عنصرين فاعلين في إغناء البحث السياسي والتاريخي معاً ، فقصص القرآن صورة من التاريخ ، وسيرة الرسول ( ص ) جانب من التاريخ ، وكان على المسلمين أن يدرسوا هذا وذاك ويفصّلوا القول فيه . ومن ثمّ كان من الواجب الديني أن يزدهر التاريخ . والحديث النبوي كذلك كان له أثره في نهوض التاريخ . . إنّ الحديث هو المصدر الثاني بعد القرآن الذي عنه يأخذ المسلمون أحكام دينهم ، وقد حرص المحدّثون على تمييز الأحاديث ومعرفة درجة رواتها ، وعرضوا هؤلاء الرواة على مشرحة النقد ، لفحص عقولهم ونفوسهم ، ومن ثمّ كانوا في حاجة إلى تعرّف حالاتهم ودراسة تواريخهم وأخبارهم ومعرفة أنسابهم وقبائلهم ، فكان ذلك نواة صالحة وثروة غزيرة لعلم التاريخ وقد قيل : إنّ التاريخ مدرسة لتعليم طريقة البحث السياسي ، إذ من الصحيح نسبياً أنّ التاريخ سياسة الماضي ، والسياسة تاريخ الحاضر . والفارق الوحيد بين التاريخ والسياسة هو أنّ التاريخ بارد والسياسة حارّة ، وهو فارق حيوي يجعل التاريخ مدرسة لتعليم طريقة البحث ، فهي تعلّمنا الحذر واستقلال الرأي وسجاحة الطبع . . إنّها تبعث فينا شعوراً بتعقّد الظواهر الاجتماعية والنفسية وتقلّبها إنّها تُهيّء لنا اكتساب ملكة الاستدلال بالأفعال الظاهرة على البواعث والأفكار الباطنة « 2 » . ومن هذا يُفهم كلام عليّ ( ع ) في وصيّته السياسية والاجتماعية للحسن ( ع ) واعرض عليه أخبار الماضين ، وذكّره بما أصاب من كان قبلك من الأوّلين ، وسر في ديارهم وآثارهم ، فانظر فيما فعلوا وعمّا انتقلوا ، وأين حلّوا ونزلوا ! فإنّك تجدهم قد انتقلوا عن الأحبّة ، وحلّوا دار الغربة ، وكأنّك عن قليل قد صرت كأحدهم « 3 » .
هامش
( 1 ) ينظر لؤي صافي ، العقيدة والسياسة ، المعهد العالمي للفكر الإسلامي : 46 . ( 2 ) المدخل إلى التاريخ الإسلامي : 50 و 119 . ( 3 ) نهج البلاغة ص 292 وصية 31 .