قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ
« 1 »
.
وقال تعالى :
وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيها نَذِيرٌ
« 2 » فالأمم هي حقب سياسية برزت في أعصر خلت ثم اضمحلت ولم يبق منها إلّا أطلال وإشارات قال تعالى :
أَ وَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ كانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثاراً فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَما كانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ واقٍ
« 3 »
.
وقال تعالى :
فَأَمَّا عادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكانُوا بِآياتِنا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِساتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَخْزى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ * وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
« 4 »
.
فهنا يصور لنا القرآن أمة تجبرت وعتت هي أمة عاد ثم أردف ذكر أمة أخرى اسمها ثمود ، فهذه وغيرها من النصوص تقدّم لنا الخبرة البشرية في إبراز المواقف السياسية ، فالمعطيات التاريخية هنا تعتبر في نظر البعض مصدراً مكملا لنصوص الوحي ، التي هي المصدر الأول للتنظير السياسي .
وتستمدّ الخبرة التاريخية أهميتها من حقيقتين : أولاهما أنّها تمكننا من فهم المحتوى العملي للمفاهيم والقواعد النظرية ذات الطبيعة المجردة . ذلك أنّ المفاهيم العامة والقواعد السلوكية الكلّية التي يدعونا القرآن لتبنيها لا يمكن أن تتضح إلّا من خلال تجلّيها في سلوك إنساني ونموذج واقعي تاريخي ، ومن هنا اهتمّ القرآن بسرد قصص الأنبياء وبيان جهادهم ليكون نموذجاً يوضّح القواعد والمفاهيم ، ويجعل عملية الاعتبار ميسّرة .
والحقيقة الثانية هي أنّ الخبرة التاريخية تبيّن لنا حدود الفعل السياسي ، والشروط اللازمة لتحقيق المقاصد والأهداف . كما تمكننا من تقصّي القوانين التاريخية التي تحكم
هامش
( 1 ) الرعد : 30 .
( 2 ) فاطر : 24 .
( 3 ) المؤمن : 21 .
( 4 ) فصّلت : 15 - 17 .