تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 220

مساهمون:

ص٢٢٠
وهو لا يستطيع بنفسه الوصول إلى معرفة الخير أو تحقيق وجود اجتماعي منظم ، فلابدّ من سلطة قانونية وحاكم يفرض القانون ليفرز الحقوق ويحددها ، وقد شهد التاريخ البشري تاريخاً طويلا من الملوك الحكّام إلّا أنهم ناقصون وقوانينهم ناقصة . وهذه النواقص يعالجها الوحي والشرع الإلهي للبشرية . فمن أجل دعم التشريع وتطبيقه لابدّ من حاكم أعلى ، يكون منصبه إذن جزءاً من التدبير الإلهي لتمشية أمور العباد وتصريف حياتهم ومنع الظلم وإجراء العدالة ، وهذا الحاكم هو الخليفة المراد في قوله تعالى :
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً
« 1 » أو الإمام . وتعيين هذا الحاكم وفرض الطاعة الواجبة له بيّنته الرسالات السماوية ، والطاعة هنا تعني في المعروف والصلاح ، إلّا لا معنى للطاعة . ويقول ابن خلدون في موضوع الحكومة والدولة : إنّ هذا الاجتماع إذا حصل للبشر كما قرّرناه وتمّ عمران العامل بهم ، فلابدّ من وازع يدفع بعضهم عن بعض ، لما في طباعهم الحيوانية من العدوان والظلم . وليست آلة السلاح التي جُعلت واقعة لعدوان الحيوانات العجم عنهم كافية من دفع العدوان عنهم لأنّها موجودة لجميعهم . فلابدّ من شيء آخر يدفع عدوان بعضهم عن بعض . ولا يكون من غيرهم لقصور جميع الحيوانات عن مداركهم وإلهاماتهم ، فيكون ذلك الوازع واحداً منهم يكون له عليهم الغلبة والسلطان واليد القاهرة حتّى لا يصل أحد إلى غيره بعدوان ، وهذا هو معنى الملك « 2 » . والمُلك في لغة ابن خلدون هو سلطة الدولة وهيمنتها الاجتماعية والسياسية ، التي تتحدث عنها النظريات السياسية الحديثة . ويرى المفكرون وعلماء الاجتماع والسياسة ضرورة الدولة كضرورة الاجتماع والمدنية والعمران حيث يرى فرنسيسكو دو فيتوريا ( 1480 - 1546 م ) أنّ الدولة مثل المجتمع هما من مبدأ طبيعي .
هامش
( 1 ) البقرة : 30 . ( 2 ) تاريخ ابن خلدون 45 : 1 .