تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 208

مساهمون:

ص٢٠٨
اجلس فجلس ، قال : أشيروا عليّ ، فقام الثاني ، فقال مثل مقالة الأوّل ، فقال ( ص ) : اجلس فجلس ، ثمّ قام المقداد فقال : يا رسول الله وإنّا قد آمنا بك وصدّقناك ، وشهدنا أنّ ما جئت به حقّ من عند الله ، ولو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا وشوك الهراس « 1 » خضنا معك ، ولا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى :
فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ
« 2 »
.
ولكنّا نقول : امض لأمر ربّك فإنّا معك مقاتلون ، فجزاه النبي ( ص ) خيراً ، ثم جلس ، ثمّ قال : أشيروا عليّ ، فقام سعد بن معاذ ، فقال : بأبي أنت وأمّي يا رسول الله ، كأنّك أردتنا ؟ قال : نعم ، فلعلك خرجت على أمر قد أُمرت بغيره ، قال : نعم ، قال : بأبي أنت وأمي يا رسول الله ، إنّا قد آمنا بك ، وصدّقناك ، وشهدنا أنّ ما جئت به حقّ من عند الله ، فمرنا بما شئت ، وخذ من أموالنا ما شئت ، واترك منه ما شئت ، والذي أخذت منه أحبّ إليّ من الذي تركت منه ، والله لو أمرتنا أن نخوض هذا البحر لخضناه معك ، فجزاه خيراً ، ثمّ قال سعد : بأبي أنت وأمّي يا رسول الله ، والله ما خضت هذا الطريق قط ومالي به علم ، وقد خلفنا بالمدينة قوماً ليس نحن بأشد جهاداً لك منهم ، لو علموا أنّه الحرب لما تخلّفوا ولكن نعد لك الرواحل ونلقى عدوّنا ، فإنّا نصبر عند اللقاء ، أنجاد في الحرب ، وإنّا لنرجو أن يقرّ الله عينك بنا ، فإن يك ما تُحبّ فهو ذلك ، وإن يكن غير ذلك قعدت على رواحلك فلحقت بقومنا ، فقال رسول الله ( ص ) : ويحدث الله غير ذلك ، كأنّي بمصرع فلان هاهنا ، وبمصرع فلان هاهنا ، وبمصرع أبي جهل وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة ومنبه وبنيه ابني الحجّاج ، فإن الله قد وعدني إحدى الطائفتين ولن يخلف الله الميعاد ، فنزل جبرئيل على رسول الله ( ص ) بهذه الآية :
كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ * يُجادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ ما تَبَيَّنَ كَأَنَّما يُساقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ * وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّها لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ
هامش
( 1 ) الهراس : شوك كأنّه حسك ، الواحدة هراسة . وقيل : الهراس شجر كبير الشوك . وقيل : بقل من أحرار البقول ذو شوك . اللسان ( هرس ) . ( 2 ) المائدة : 24 .