قواعد وأسس المجتمع السياسي الذي يفوّض أمره ومصيره بيد جماعة واعية تنهض بمهام هذا المجتمع الجد يد الذي رسم ملامحه ( ص ) حين خطب يوم منى في مسجد الخيف فقال : نضّر الله عبداً سمع مقالتي فوعاها وبلّغها من لم يسمعها ، فكم من حامل فقه غير فقيه ، وكم من حامل فقه إلى من هو أفقه منه ، ثلاث لايغلّ عليهنّ قلب عبد مسلم : إخلاص العمل لله ، والنصيحة لأئمّة المسلمين ، واللزوم لجماعتهم ، فإنّ دعوتهم محيطة من ورائهم ، المؤمنون أُخوة تتكافأ دماؤهم ، وهم يد على من سواهم ، يسعى بذمّتهم أدناهم « 1 » .
أليس هذا النسيج المتآلف ضمن تشكيلة أو لافتة « المؤمنون » أو الجماعة هو المجتمع الذي ينادي به أصحاب النظريات الديمقراطية الحديثة ، فالجماعة هي صاحبة القرار ، وإليها ينتهي ويعول عليها المجتمع في ممارسة حقوقه السياسية ، فالدولة والحاكم بالضرورة تنزع إلى هذه الجماعة عندما ما يستدعي حدث تقديم مشورة ونصيحة ، فهنا يظهر إخلاص هذه الجماعة ويستبين إيمانها بمبادئها وشعاراتها التي تطلقها ، وقد تكون المشاورة بمعنى الاختبار والامتحان فينجح أفراد هذه الجماعة أو يسقط في عملية استنطاق للآراء ، وقد استبانت درجات هذه الجماعة في اللحظات الأخيرة قبل اندلاع معركة بدر الكبرى حيث يقول القمي :
نزل جبرئيل على رسول الله ( ص ) فأخبره أن العير - أي القافلة التجارية لقريش - قد أفلتت ، وإنّ قريشاً قد أقبلت لتمنع عن عيرها ، وأمره بالقتال ووعده النصر ، وكان نازلا ماء الصفراء فأحبّ أن يبلو الأنصار ، لأنّهم إنّما وعدوه أن ينصروه في الدار ، فأخبرهم أنّ العير قد جازت ، وأن قريشاً قد أقبلت لتمنع عن عيرها ، وإن الله قد أمرني بمحاربتهم فجزع أصحاب رسول الله ( ص ) من ذلك وخافوا خوفاً شديداً ، فقال رسول الله ( ص ) : أشيروا عليّ ، فقام الأوّل : فقال : يا رسول الله : إنّها قريش وخيلاؤها ما آمنت منذ كفرت ، ولا ذلّت منذ عزّت ، ولم تخرج على هيئة الحرب ، فقال رسول الله ( ص ) :
هامش
( 1 ) مجالس الشيخ المفيد : 186 ح 23 .