تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 200

مساهمون:

ص٢٠٠
فبناء مسجد يعني حراكاً سياسياً وإيجاد مدرسة ونظرية وموقفاً جديداً أحدث انعكاساً كبيراً في تاريخ المسلمين وفكرهم السياسي . ويتحدّث الشيخ القمي عن هذه الحركة السياسية التي اتخذت شكل بناء مسجد فيقول : جاء قوم من المنافقين إلى مسجد رسول الله ( ص ) فقالوا : يا رسول الله ، أتأذن لنا أن نبني مسجداً في بني سالم للعليل والليلة المطيرة والشيخ الفاني ، فأذن لهم رسول الله ( ص ) وهو على الخروج إلى تبوك ، فقالوا : يا رسول الله لو أتيتنا فصلّيت فيه ، فقال ( ص ) : أنا على جناح السفر ، فإذا وافيت إن شاء الله أتيته فصلّيت فيه ، فلمّا أقبل رسول الله ( ص ) من تبوك نزلت عليه هذه الآية في شأن المسجد وأبي عامر الراهب ، وقد كانوا حلفوا لرسول الله ( ص ) أنّهم يبنون ذلك للصلاح والحُسنى ، فأنزل الله على رسوله :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ
يعني أبا عامر الراهب كان يأتيهم فيذكر رسول الله ( ص ) وأصحابه :
وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ
« 1 »
.
ويستنتج الباحث من رواية مسجد قبا أنّ المؤسسة السياسية في الإسلام مبرمجة وموجهة ، وأنّ أيّ حركة وخطوة بنائية في تشييد مؤسسة هي مرصودة وموضع توجّه السماء والنبي والإمام المعصوم - عليهم أفضل الصلاة والسلام - وإعطاء الشرعية أو عدمها لأيّ مؤسسة سياسية تنبثق هنا وهناك يعني اتخاذ قرار وتثبيت موقف ، فتحرّك الأمّة أو تحريكها يعني عملية هدم أو بناء ، هبوط أو صعود ، أمام أو خلف ، وجود أو لا وجود ، ولهذا فإنّ ميلاد المؤسسات السياسية في تاريخ المسلمين كان مدروساً ، بل أُنيط في موارد بمن يمثّل الأمّة التمثيل الروحي والاجتماعي ، فقد أناط الشيعة الإمامية هذا القرار وذاك بجهة رصينة سمّيت المرجعية الدينية أو الحوزوية ، وسعت في أن تستحوذ
هامش
( 1 ) تفسير علي بن إبراهيم القمي 304 : 1 .