تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 199

مساهمون:

ص١٩٩

المسجد والجماعات الواعية

إنّ المؤسسات والبنى السياسية التي أفرزها التاريخ والفكر السياسي الإسلامي تميّزت ماهيتها عمّا أُصطلح عليه في التاريخ والفكر السياسي الأوروبي أو غيره من مؤسسات وبنى ، فالوقوف على مؤسسة إسلامية مشهورة ، كالشورى مثلا يكشف عن ملامح تجربة سياسية تختلف عن أيّ تجربة سياسية أُخرى ، وإن قاربها البعض بمفهوم الديمقراطية ، كما أنّ المساجد والحسينيات والجمعيات والنوادي التي يشكلها المسلمون تُعد مؤسسات سياسية - بالضرورة هي مميزة - لعبت دوراً كبيراً في التاريخ السياسي للمسلمين . فالمسجد كمؤسسة سياسية واجتماعية كان يساهم في اتخاذ قرارات سياسية بالغة الخطورة ، كما أنّ المسجد قد أقصى دور القصر الرئاسي أو قصر الإمارة في عملية إنضاج الموقف السياسي ، بل غيّب هذه القصور الرئاسية التي نشهدها في تاريخنا الحديث . وجعلها قصوراً وبيوتاً عادية كسائر بيوت المسلمين التي تعتبر ملاذاً آمناً وداراً للاستراحة بعيدة عن المواقف والمعارك السياسية ، في حين أنّ التاريخ ما زال يحتفظ بذكريات أحداث هامة حركها المسجد النبوي في المدينة . فمسجد قبا هو مؤسسة سياسية كبيرة له أثره الواضح والكبير في التاريخ السياسي للمسلمين ، فركعات معدودة صلّاها النبي ( ص ) فيه بناءً على طلب بني عمرو بن عوف « 1 » أثارت عاصفة سياسية وأزمة لدى المنافقين فبنوا مسجداً حسداً ونكاية لهذا المسجد المبارك فنزل قوله تعالى مشيراً إلى حدث سياسي له أهمية كبيرة في الفكر السياسي ، تقول الآية :
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً وَكُفْراً وَتَفْرِيقاً بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصاداً لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ * لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ
« 2 »
.
هامش
( 1 ) ينظر بحار الأنوار 252 : 21 وتفسير مجمع البيان مجلد 72 : 3 . ( 2 ) التوبة : 107 و 108 .