وأمّا تصريف الشؤون الإدارية والعسكرية ومتابعة الأحداث ويوميات الحياة العادية واتخاذ القرارات السياسية والعامة فإنّها تخضع لحسابات الظروف وقوانين الحياة ومتطلباتها .
فالتجربة والممارسة الواقعية التي عاشها معصومان هما النبي ( ص ) وعلي ( ع ) قد بينت لنا أنهما عليهما الصلاة والسلام كانا يتعاملان مع هذه الأحداث وفقاً لحسابات العقل ومتطلبات كلِّ حدث وأمر ، حيث إنّ لكل حدث ومشكلة وموضوع وأمر قانوناً خاصاً به ، فالحروب والتدبيرات الإدارية والسياسية ، وحتى ممارسة القضاء كانت تجري لديهما طبقاً للأدلة وشاهد الحال وما يراه الناس في زمانهما ، فحينما واجه علي ( ع ) مشكلة اختراق حدود دولته وتعرض منطقة الأنبار إلى غارات واعتداءات من قبل سفيان بن عوف الغامدي الذي جنّده معاوية بن سفيان لذلك قال لأصحابه أشيروا عليّ برجل صليب ناصح يحشر الناس من السواد ، فقال سعيد بن قيس : عليك يا أمير المؤمنين بالناصح الأديب الشجاع الصليب معقِل بن قيس التميمي ، فقال علي ( ع ) نعم ، ثمّ دعاه فوجّهه وسار « 1 » .
فتجربة مثل هذه لا تحتاج إلى تأمل كثير ، حيث كان ( ع ) يبحث عن رجل قادر ليسدّ ثغرةً وخللا وقع في جدار دولته الواسعة الأطراف ، وهذا أمر يتطلب إعمال فكر ومشاورة رجال الدولة من صحابته ، ولا علاقة لهذا بمسألة عبادية أو مسألة شرعية ينفرد بها علي ( ع ) فلا يشاور صحابته ويتّخذ قراراً ينأى بنفسه عنهم بصفته معصوماً وحاكماً للسماء في الأرض . فتنظيم قوّة ضاربة تحتاج إلى رجل له مران وتجربة وقوّة إرادة يمسك بوحدة عسكرية مقاتلة تتمكن من حفظ حدود دولة مهددة بأفراد عتاة مجرمين ليس لهم وازع خلقي وديني ، ونفس الشيء يقال عن جباة الأموال أو حرس الحدود وكتّاب الدولة وبقيّة جهازها الإداري والمالي ، فانتخاب أفراد وتنظيم معاملات الجند ومعسكراتهم ، وإدارة مرافق الدولة وتنظيم شوارع المدينة وزقاقاتها وأسواقها كلّ
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 149 : 34 .