فهم من لحن قولهم ورموزهم أمراً ، ولاتأمّل المراد من قولهم : إنّي جعلته عليكم حاكماً وقاضياً وحجّةً وخليفة ، ونحو ذلك ممّا يظهر منه إرادة نظم زمان الغيبة لشيعتهم في كثير من الأمور الراجعة إليهم ، ولذا جزم فيما سمعته من « المراسم » بتفويضهم ( ع ) لهم في ذلك ، نعم لم يأذنوا لهم في زمن الغيبة ببعض الأمور التي يعلمون عدم حاجتهم إليها ، كجهاد الدعوة المحتاج إلى سلطان وجيوش وأمراء ونحو ذلك ممّا يعلمون قصور اليد فيها عن ذلك ونحوه ، وإلّا لظهرت دولة الحق كما أومأ إليه الصادق ( ع ) بقوله : لو أنّ لي عدد هذه الشويهات - وكانت أربعين - لخرجت . وبالجملة فالمسألة من الواضحات التي لا تحتاج إلى أدلة « 1 » .
وهذا يعني انصراف الفقهاء عن التصدّي أو البحث في مسألة الحكم والسلطة أو وضع القواعد والضوابط لمن يتولّى هذه السلطة ، وكأن المسألة لاتعنيهم قهراً ، فغياب الإمام المعصوم أوجدا فراغاً كبيراً أحسّه الفقهاء وأدركوه ، ولم يتمكنوا من أن يملأوا هذا الفراغ الكبير بحديث عن قائد ترك موقعه أو غيبته السماء ليمارس وظيفته في الزمن الأخير من تاريخ الإنسان .
أهل الحلّ والعقد
عوّل فقهاء الجمهور على أهل الحلّ والعقد في تقرير مصير الأمة ، وسُمّيت الفئة التي تختار الإمام أو رئيس الدولة تارة أهل الحلّ والعقد ، وتارة أهل الاجتهاد ، وثالثة أهل الاختيار ، كما ورد في كلام الفقهاء « 2 » .
فأهل الحل والعقد في الفكر السياسي الإسلامي لهم الدور الكبير في رسم السياسة العامة للبلد واختيار القيادة السياسية لأنّه « يتمّ ببيعتهم تعيين الخليفة وتتعيّن بذلك طاعته على كافة المسلمين » « 3 » .
هامش
( 1 ) جواهر الكلام 396 : 21 كتاب الجهاد .
( 2 ) محمد المبارك ، نظام الإسلام الحكم والدولة ص 81 . وفي التاريخ الحديث ظهرت في جمهورية إيران الإسلامية مؤسسة سياسية ربّما تضاهي في أعمالها وممارساتها هيئة أهل الحل والعقد اصطلح عليها اسم مجلس الخبراء يتولى أعضاء المجلس أعمالا مشابهة لهيئة أهل الحلّ والعقد .
( 3 ) دراسات في مصطلح السياسة عند العرب : 132 .