وقد قال النبي ( ص ) حين طعن الناس في إمارته : وأيم الله ، إنّه لخليق بالإمارة وإنّ أباه كان خليقاً بها ، وإنّه من أحبّ الناس إليّ فأوصيكم به خيراً « 1 » .
فتقرير صلاحية أُسامة لم تكن بمشاورة واستنطاق الآراء ، وإنّما كانت محصورة بالقيادة الرأسية ، وقد تكون هذه الخطوة متعمدة ومقصودة من قبل النبي ( ص ) لإفهامهم وإيقافهم عند حدود معينة ، لئلّا يتصوروا أنّ القرار السياسي موزع بين الصحابة كما توزّع غنائم الحرب ، فنصيب كلّ مشارك في معركة عسكرية يمكن أن يصل إلى من تحمّل عناء هذه المعركة ، إلّا أن توزيع القرارات ليس بالأمر الهيّن ، فالسماء وضعت ثقتها بشخص واحد أهلته لكي يتخذ قراراً لوحده وما عليهم إلّا الطاعة والامتثال ، فمركزة القرارات في شخص النبي ( ص ) له ضرورته السياسية والشرعية .
البيعة والشورى
اختصّ المسلمون بمفهوم تعاقدي اصطُلح عليه اسم البيعة ، وقد عُرف تاريخ المسلمين وفكرهم السياسي ببروز هذا المفهوم ، على مختلف العصور والأزمنة ، حتى انسحب الأمر إلى العصور الحديثة فتداولته الأقلام كمفهوم سياسي حيوي له جاذبيته وسحره في البحث السياسي . والبيعة كمصطلح إسلامي يعني عقد ديني سياسي واجتماعي ، لا يخلو من المفهوم التبادلي ؛ مبايعة الحاكم مقابل حكمه بالعدل والإحسان ، ويتضمن عقد البيعة إمكان النقض والخلع « 2 » فالبيعة في جوهرها وأصلها عقد وميثاق بين طرفين الأمير أو الإمام المرشح لرياسة الدولة والجمهور ، أمّا هو فيبايع على الحكم بالكتاب والسنّة والنصح للمسلمين ، وأمّا الجمهور المبايع فعلى الطاعة في حدود طاعة الله ورسوله « 3 » .
فهي عقد معنوي سياسي عبادي يوجبه المسلم على نفسه ، كعهد وميثاق أخلاقي يعبّر عن الولاء والإخلاص للقائد الديني والسياسي ، ويعود استخدام هذا المصطلح إلى
هامش
( 1 ) بحار الأنوار 178 : 28 والجزء الثامن ص 258 من الطبعة الحجرية من البحار .
( 2 ) مفاتيح العلوم الإنسانية 87 رقم 256 .
( 3 ) نظام الإسلام ، الحكم والدولة ، محمد مبارك : 37 .