تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
وتجلّت صورة من صور الشورى أيضاً حين أرسل الحارث بن عمرو الغطفاني رئيس غطفان إلى النبي ( ص ) قائلا : إنّك إنْ جعلت لي شطر ثمار المدينة وإلّا ملأتها عليك خيلا وركاباً ، فقال النبي ( ص ) : حتّى أشاور السعود ، يعني سعد بن عبادة ، وسعد بن معاذ ، وسعد بن زرارة فشاورهم النبي ( ص ) فقالوا : يا نبي الله ، إن كان هذا أمراً من السماء فتسليماً لأمر الله ، وإنْ كان رأيك وهواك اتبعنا رأيك وهواك ، وإنْ لم يكن بأمر من السماء ولا برأيك وهواك ، فوالله ما كنا نعطيهم في الجاهلية برة ولاتمرة إلّا شراء أو قرىً ، فكيف وقد أعزنا الله تعالى بالإسلام ، فقال النبي ( ص ) لرسوله : أو تسمع ؟ « 1 » ويروي الشيخ المفيد هذه الأحداث بنحو آخر فيقول : فلمّا سمع رسول الله ( ص ) باجتماع الأحزاب عليه وقوّة عزيمتهم في حربه استشار أصحابه فأجمع رأيهم على المقام بالمدينة وحرب القوم إن جاءوا إليهم على أنقابها ، فأشار سلمان ( ع ) على رسول الله ( ص ) بالخندق فأمر بحفره وعمل فيه بنفسه ، وعمل فيه المسلمون . وأقبلت الأحزاب إلى رسول الله ( ص ) فهال المسلمين أمرهم وارتاعوا من كثرتهم وجمعهم فنزلوا ناحية من الخندق وأقاموا بمكانهم بضعاً وعشرين ليلة لم يكن بينهم حرب إلّا الرمي بالنبل والحصى ، فلمّا رأى رسول الله ( ص ) ضعف قلوب أكثر المسلمين من حصارهم لهم ووهنهم في حربهم بعث إلى عيينة بن حصن والحارث بن عوف وهما قائدا غطفان يدعوهم إلى صلحه ، والكفّ عنه والرجوع بقومهما عن حربه على أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة ، واستشار سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فيما بعث به إلى عيينة والحارث فقالا : يا رسول الله إنْ كان هذا الأمر لابدّ لنا من العمل به ، لأنّ الله أمرك فيه بما صنعت والوحي جاءك به ، فافعل ما بدا لك ، وإن كنت تختار أن تصنعه لنا كان لنا فيه رأي ، فقال عليه وآله السلام : لم يأتني وحي به ، ولكنّي رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحدة ، وجاؤوكم من كلّ جانب ، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ، فقال سعد بن معاذ : قد كنّا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعرف
هامش
( 1 ) مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 132 : 6 ، جواهر الكلام 292 : 21 ، المغني لابن قدامة 511 : 10 .