الله ولا نعبده ، ونحن لا نطعمهم من ثمرنا إلّا قرىً أو بيعاً ، والآن حين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا به وأعزّنا بك نعطيهم أموالنا ؟ ما بنا إلى هذا من حاجة ، والله لا نعطيهم إلّا السيف حتّى يحكم الله بيننا وبينهم ، فقال رسول الله ( ص ) : الآن قد عرفت ما عندكم فكونوا على ما أنتم عليه ، فإنّ الله تعالى لن يخذل نبيّه ولن يسلّمه حتّى ينجز له ما وعده . ثمّ قام رسول الله ( ص ) في المسلمين يدعوهم إلى جهاد عدوّهم ويشجّعهم ويعدهم النصر من الله تعالى « 1 » .
فصور الشورى من هذه الروايات تبدو جليةً وواضحة ، وعلى كلّ حال يمكن للباحث أن يستنبط أنّ النبي ( ص ) يرجح المشاورة حتّى في الأمور الخاصّة به ، أو قل العائلية أحياناً ، وقد روى ابن هشام رواية عن عائشة يستشف منها ذلك ، فعندما تداول المسلمون حديث الإفك الذي أشار إليه القرآن الكريم في قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ
« 2 » لما قذفوها ، وذلك حينما غزا النبيّ ( ص ) بني المصطلق « 3 » قالت عائشة دعا النبي ( ص ) عليّ بن أبي طالب ( ع ) وأُسامة بن زيد فاستشارهما ، فأمّا أُسامة فأثنى عليّ خيراً ، وأمّا عليّ ( ع ) فإنّه قال : يا رسول الله ، إنّ النساء لكثير وإنّك لقادر على أن تستخلف ، وسل الجارية فإنّها ستصدقك « 4 » .
وهذا مؤشر على استئناس النبي ( ص ) بآراء صحابته وخاصّته في يومياته وما يتعلق بسيرته الذاتية .
والنبي ( ص ) قادر ومؤهل في ذاته لمواجهة المواقف والأحداث واتخاذ القرارات المناسبة لها ، ولكنه ( ص ) يسعى لتعزيز ثقة المؤمنين بأنفسهم ودينهم ، وكأنّه يستنطق ويتفاءل في استظهار وتقديم إجابة مناسبة للمواقف التي يعرف ( ص ) كيف يتعامل معها ، فالنبي ( ص ) وارث قصي وعبد المطلب روّاد الفكر السياسي العربي وله من البصيرة والمعرفة الكافية . . .
هامش
( 1 ) إرشاد الشيخ المفيد 85 : 1 .
( 2 ) النور : 11 .
( 3 ) يراجع مجمع البيان للطبرسي 130 : 4 ، والتسهيل لعلوم التنزيل لابن جزي الكلبي 131 : 3 .
( 4 ) سيرة ابن هشام 313 : 3 .