ومع هذا كانت هناك قرارات انفرد بها النبي ( ص ) ولم يشاور صحابته وإن كانت هناك كتل متعددة بين مخالف وموافق بإمكانه ( ص ) استعراض آراءها في المسار ، لكنه ابتعد عن جمهور الصحابة في تقرير موقف سياسي خطير ، وهو معاهدة صلح الحديبية ، فحكم المهادنة مع قريش يبدو وكأنّه مرسوم ومعدّله فلا يقبل النقاش ، وقد جرت محاورة بين أبي بكر وعمر كما روى ابن هشام تنبئ عن استياء ورفض لصلح الحديبية ، يقول ابن هشام : وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال : ياأبابكر ، أليس برسول الله - مشيراً إلى النبي محمد ( ص ) - قال : بلى ، قال : أو لسنا بالمسلمين ! قال : بلى ، قال : أو ليسوا بالمشركين ؟ قال : بلى ، قال : فعلام نعطي الدنيّة في ديننا ؟ قال أبو بكر : يا عمر الزم غرزه ، فإنّي أشهد أنّه رسول الله ، قال عمر : وأنا أشهد أنّه رسول الله ، ثمّ أتى رسول الله ( ص ) فقال : يا رسول الله ، ألست برسول الله ؟ قال : بلى ، قال : أو لسنا بالمسلمين ؟ قال : بلى ، قال : أو ليسوا بالمشركين ؟ قال : بلى ، قال : فعلام نعطي الدنية في ديننا ؟ قال : أنا عبد الله ورسوله ، لن أخالف أمره ولن يضيّعني « 1 » .
وهذا يعني أنّ الشورى التي أسسها النبي ( ص ) لها مساحات وحدود لا يمكن أن تتجاوزها ، فجمهور الصحابة وعامة المسلمين لهم صوت ورأي لا ينبغي له أن يعلو صوت القيادة الرأسية ، أو قل لا ينبغي له أن ينطق ما دام القائد يتكلم ، لأنّ كلامه الحقّ اليقين .
ومن الأمثلة التي يمكن اعتمادها لإظهار مخالفة قرار القيادة النبوية لرأي جمهور المسلمين تعيين رسول الله ( ص ) لأسامة بن زيد قائداً للجيش الذي جهّزه للخروج إلى الشام ، إذ يبدو أنّ زعامات المسلمين لم يرتاحوا لقرار رسول الله ( ص ) القاضي بتعيين شاب يافع على قيادة جيش يضمّ كبار الصحابة ممّن يزيد عنه حكمة وخيرة ، وتلكؤوا في الخروج « 2 » .
هامش
( 1 ) سيرة ابن هشام 331 : 3 .
( 2 ) لؤي صافي ، العقيدة والسياسية : 183 .