تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 172

مساهمون:

ص١٧٢
نحفر خندقاً يكون بيننا وبينهم حجاباً فيمكنك منعهم من المطاولة ، ولا يمكنهم أن يأتونا من كلّ وجه ، فإنّا كنا معاشر العجم في بلاد فارس إذا دهمنا دهم من عدونا نحفر الخنادق ، فيكون الحرب من مواضع معروفة فنزل جبرئيل على رسول الله ( ص ) فقال : أشار سلمان بصواب « 1 » فالمستخلص من هذا الخبر أنّ السماء تفاعلت مع ظاهرة سياسية خطيرة هي المشاورة وتبادل الآراء ومناقشتها ، وتصويبها إن صلحت ، فهنا تتجلّى ممارسات الشورى في الأحداث السياسية والعسكرية ، وتتراءى لنا معالم المدرسة النبوية . ونحو الخبر يسرد الواقدي أجواء المشاورة حين واجهت النبي ( ص ) قوّة عسكرية وسياسية قويّة جبّار في غزوة الخندق عندها التفت النبي ( ص ) إلى أصحابه ليجد إجابة عن سؤال ماذا نفعل لكي نواجه هذا العدوّ الجائر القوي ، وهنا برز رأي الصحابي الجليل سلمان ( رضي الله عنه ) - كما أشرنا آنفاً - فقال : إنّا إذ كنا بأرض فارس وتخوّفنا الميل خندقنا علينا ، فهل لك يا رسول الله أن نخندق ؟ فأعجب رأي سلمان المسلمين « 2 » نظراً لامتلاك هذا الرجل الخبرة السياسية والعسكرية الكافية لأنّه عاصر دولة عظمى وشهد أحداثاً متعاقبة أهّلته لأن يكون مستشار النبي ( ص ) السياسي والعسكري ، لذا تكررت تجربة المشاورة معه في غزوة الطائف أو غيرها فقضى بضرب الحصون المعادية للمسلمين بالمنجنيق فاستجاب الجيش لرأي سلمان فحقق فوزاً ساحقاً . والظاهر من وثائق التأريخ أنّ الصحابي الجليل سلمان ( رضي الله عنه ) صار مستشار القيادة الإسلامية وبعد انتقال النبيّ ( ص ) للرفيق الأعلى أيضاً . يقول الواقدي : شاور رسول الله ( ص ) في حصن الطائف فقال له سلمان الفارسي ( رضي الله عنه ) : أرى أن تنصب المنجنيق عليهم فأمر رسول الله ( ص ) فعمل المنجنيق « 3 » فظهور سلمان ( ع ) في هذه المواقف والمشاهد المصيرية يشجعنا على القول بأن سلمان كان مستشار الدولة الإسلامية .
هامش
( 1 ) تفسير القمي 152 : 2 . ( 2 ) المغازي للواقدي 445 : 1 . ( 3 ) المغازي 927 : 2 .