تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
كما أنّ تفصيلات الإعداد للحرب ، وتعبئة الجيش ، ونشر المقاتلين واختيار الأرض لم ينفرد به النبي ( ص ) ، بل كان يشارك الآخرين ويسمع لهم ويعمل بمشورتهم . ومما روي في ذلك أنّ الحُباب بن المنذر بن الجموح قال : يا رسول الله ، أرأيت هذا المنزل ، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدّمه ولانتأخّر عنه ، أم هو الرأي والحرب والمكيدة ؟ قال : بل هو الرأي والحرب والمكيدة ، فقال : يا رسول الله فإنّ هذا ليس بمنزل فانهض بالناس حتّى نأتي أدنى ماء من القوم ، فننزله ثمّ نغوِّر ما وراءه من القُلب ثمّ نبني عليه حوضاً فنملؤه ماءً ، ثمّ نقاتل القوم فنشرب ولايشربون فقال رسول الله ( ص ) : لقد أشرتَ بالرأي ، فنهض رسول الله ( ص ) ومن معه من الناس فسار حتى إذا أتى أدنى ماء من القوم نزل عليه ثمّ أمر بالقُلب فغوّرت وبنى حوضاً على القليب الذي نزل عليه فُملئ ماءً ثمّ قذفوا فيه الآنية « 1 » ولم يعترض النبي ( ص ) أو يبدّل في خطة ورأي الحباب بن المنذر ، وإنّما نفذت بكافة تفاصيلها . وتتجلّى الشورى من نصوص أخرى وصلتنا ، ومن ذلك رواية الواقدي فيقول فلمّا فصلت قريش من مكّة إلى المدينة ، خرج ركب من خزاعة إلى النبي ( ص ) فأخبروه بفصول قريش فساروا من مكة إلى المدينة أربعاً ، فلذلك حين ندب رسول الله ( ص ) الناس وأخبرهم خبر عدوّهم وشاورهم في أمرهم وأمرهم بالجدّ والاجتهاد ووعدهم النصر إن هم صبروا واتقوا وأمرهم بطاعة الله وطاعة رسوله . ثمّ يقول : وشاورهم رسول الله ( ص ) ، وكان رسول الله يكثر مشاورتهم في الحرب فقال لهم : أنبرز لهم من المدينة ، أم نكون فيها ونخندقها علينا ، أم نكون قريباً ونجعل ظهورنا إلى هذا الجبل ؟ فاختلفوا ، فقالت طائفة : نكون مما يلي بعاث إلى ثنية الوداع إلى الجرف فقال قائل : ندع المدينة خلوفاً ، فقال سلمان : يا رسول الله إنّا إذا كنا بأرض فارس وتخوّفنا الخيل خندقنا علينا ، فهل لك يا رسول الله أن نخندق ، فأعجب رأي سلمان المسلمين وذكروا حين دعاهم النبي ( ص ) يوم أحد أن يقيموا ولايخرجوا ، فكره المسلمون ، الخروج وأحبّوا الثبات في المدينة « 2 » .
هامش
( 1 ) السيرة النبوية لابن هشام 272 : 2 . ( 2 ) المغازي 444 : 1 .