وقد لانغالي إذا قلنا : إنّ الليبرالية الحديثة قد اشتطت كثيراً وتجاوزت حتى القيم الديمقراطية التي تنادي بها بل تنكّرت لها ، وأصبحت تقدّس الذات المنفلتة التي لا تستطيع أن تدرك الحقائق بغيّها وعتوّها .
وقد نرى من طرف خفيّ تحذيرات علي ( ع ) التي استبق بها الزمان والمكان ، وذلك يتراءى لنا حين يتحدث عليّ ( ع ) عن عيوب التصورات والأوهام الديمقراطية - مجارةً للغة العصر - فيقول : أيّها الناس خذوها عن خاتم النبيين ( ص ) أنّه يموت من مات منّا وليس بميّت ، ويبلى من بلي منّا وليس ببال ، فلاتقولوا بما لا تعرفون ، فإنّ أكثر الحقّ فيما تُنكرون ، وأعذروا من لا حجّة لكم عليه - وهو أنا - ألم أعمل فيكم بالثقل الأكبر ، وأترك فيكم الثقل الأصغر ! قد ركزتُ فيكم راية الإيمان ، ووقفتكم على حدود الحلال والحرام ، وألبستكم العافية من عدلي ، وفرشتكم المعروف من قولي وفِعلي ، وأريتكم كرائم الأخلاق من نفسي ، فلا تستعملوا الرأي فيما لايُدرك قعره البصرُ ، ولاتتغلغل إليه الفكرُ « 1 » .
وتأمّل مثل هذا النصّ الذي يحذّر الناس من الاندفاع نحو الشعارات البرّاقة والأفكار الهدّامة في قوله ( ع ) :
« أكثر الحقّ فيما تنكرون »
يساعد الباحث على الوقوف على سلبيات وعيوب الأفكار الديمقراطية الحديثة .
الشورى في السيرة النبوية
كانت ممارسات الشورى وتبادل الآراء ومداولتها بين النبي ( ص ) وصحابته معلماً بارزاً في سيرته وسياسته ( ص ) ، ومن هدى سيرته المباركة ( ص ) تأسس البيت السياسي التشاوري الذي انبثقت عنه مبادئ وأصول الشورى السياسية والاجتماعية ، وهذا البيت الجديد الذي شيّده النبي ( ص ) كان ملاذاً لطلّاب الشورى وإليه كانوا يحتكمون ، كما ظهرت في صفحات التاريخ الإسلامي المدوّنة .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ص 120 خطبة رقم 87 .