تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩
وكان قُصيّ قد نظّم أوضاع مكّة الداخلية والخارجية وقسّم مكّة خططاً ورباعاً بين قريش حتّى اتّسقت له طاعتهم ، وصارت إليه مشورتهم ، ثم بنى دار الندوة إزاء الكعبة ، وجعل بابها إلى المسجد ، فكانت دار حكومة ومجتمع الملأ من قريش ، فكانوا ينتدون بها ، ويتحدّثون ويتشاورون في مهمّاتهم ، وفي أمور الحرب والسلم ، وفي أمورهم العامّة والخاصّة ، فكانوا يزوّجون من أراد التزوّج ، ويعاقبون من خرق التقاليد والأعراف ، ويعقدون الاتّفاقات والمعاهدات ، ويجهزون القوافل ، وهكذا حتّى غدت على هذا النحو أشبه بحكومة يتولّى رئاستها قُصيّ بن كلاب ، ويشترك في عضويتها جميع مشايخ القبائل في مكّة « 1 » . فالالتفات إلى هذه الممارسات يحملنا على التفكير لتأمّل هذا الوعي المبكر للروح الديمقراطية ، الذي عرف في لغتنا السياسية الحديثة . بناء على هذا المصطلح التي أُطلق عليها في عصورنا الحديثة مصطلح الديمقراطية ، وكأنَّ ممارسات أجداد النبيّ ( ص ) التي أثّرت في حياة العرب قد امتدّت إلى العصور الإسلامية ، واتّخذت صبغة دينية أعطاها الإسلام مفهوم الشورى ، وقد سرت هذه الممارسات من هرم السلطة السياسية إلى أصغر وحدة اجتماعية ، وهي خلية الأسرة والمجموعة البشرية الاجتماعية الصغيرة المكوّنة من مجموعة أفراد . وبالجملة تعتبر الشورى من المفاهيم الواضحة في الفكر السياسي التي دخلت وتغلغلت في مفاصل حياة المسلمين ، حتّى يمكن القول بأن المشاورة هي مبدأ حياة وطريقة عيش وأسلوب تشريع أيضاً في موارد خاصة ، ومن هذا الفهم كانت تصدر الأخبار والأحاديث عن الصحابة والأئمة المعصومين في تأكيد المشاورة والعمل بها ؛ بل تعدّت ثقافة الشورى والمشاورة إلى الارتفاع بها من الأرض وأهلها إلى السماء وربّ السماء ، كما في حديث الصادق ( ع ) الذي يقول فيه : إذا أراد أحدكم أمراً فلا يُشاور فيه
هامش
( 1 ) الدكتور علي معطي ، التاريخ السياسي والعسكري لدولة المدينة في عهد الرسول ( صلى الله عليه وآله ) ، مؤسسة المعارف بيروت : 21 . وقد انتقلت دار الندوة إلى ولد قصيّ ، وفي زمن هاشم بن عبد مناف وضع الرفادة في هذه الندوة ، وهو المال الذي يدفعه كلّ قرشي حسب وسعه ، لإطعام الحجّاج وسقايتهم ، وبقيت بعد هاشم في بنيه ، وكان يعقد في تلك الندوة لواء الحرب ، وتجري عقود زواج القرشيين والقرشيات . مفردات من الحضارة الإسلامية : 247 .