تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 157

مساهمون:

ص١٥٧
التي شهدها الإنسان على حقب التاريخ المختلفة من بعض الممارسات الديمقراطية ، ولكن عرفت باسم آخر ، وقد تكون القبائل التي عرفت النظام القبلي سبّاقة في ممارسة أوجهاً من الأساليب الديمقراطية التي تناسب أزمنتها والمستوى العقلي للإنسان آنذاك . وتحدّثنا كتب الحديث والسير عن مجلس في مكّة كان يجتمع فيه ملأ المدينة ، أي رؤساؤها وكبارها ، للتداول في الأمور والمشورة في شؤون السلم والحرب ، وقد عرف مجلسهم هذا ب - « دار الندوة » وهو مجلس على نمط مجالس الكبار في اليمن المسماة ب - « المزود » يجتمع فيها كبار القوم من ذوي الرأي والحلّ والعقد للتشاور في الأمور ، واتّخاذ القرارات ، ويحكمون ويبدون الرأي باعتبارهم سادة قادة ، أمّا غيرهم من الناس فليس لهم إلّا الطاعة والامتثال ، ليس لهم رأي في اختيار الرؤساء ، أي رجال المجالس ، وإن كان هؤلاء الرؤساء يتكلمون باسمهم ويتحدثون عنهم ، فعضو المجلس في هذا الوضع مثل رئيس القبيلة في تمثيله لها وتحدّثه باسمها وإصدار أحكامه في أفرادها ، مع ذلك ليس لأفراد القبيلة رأي في اختياره وتعيينه ، إنّما الرأي هو لما يسمّى بالعرف والعادة ورأي وجهاء القبيلة أصحاب الحل والعقد . ويُنسب بناء دار الندوة إلى قصي بن كلاب الذي بناها حوالي سنة 440 للميلاد على تقدير بعض المستشرقين « 1 » . وكانت مؤسسة دار الندوة التي أوجدها قصي بن كلاب جدّ النبي ( ص ) بمثابة المجلس التشريعي الذي يناقش القرار السياسي بالفهم الديمقراطي الحديث ، ضمن مرحلة تاريخية كانت توصف بالهمجية والبعد عن المدنية والحضارة ، وإنْ كان البعض لا يمنع من شذرات ملتقطة تدل على ممارسة ووعي يمكن بلورة فكر سياسي وغيره منه . حيث قالوا : بالرغم من أنّ تراث العرب السابق على الإسلام قد خلا تماماً من أيّ أثر للفكر النظري الخالص ، فإنّه يمكن بدءاً - من روايات الإخباريين ، واعتماداً على
هامش
( 1 ) جواد علي ، تاريخ العرب في الإسلام : 74 .