تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
مؤسسات ذات أعداد محدودة للتحكّم بالقرار السياسي في معظم الدول المتمدنة يعزز الرؤية الإسلامية لمفهوم الشورى ، فالملاحظ أنّ مجلس الأمن القومي الذي تشكله معظم البلدان ، وهو أعلى سلطة في البلد في زماننا ، يتشكّل من أفراد معدودين قد لا يتجاوز عددهم أصابع اليد الواحدة ، ويتخذون قرارات تمسّ حياة المواطن اليومية من دون تدخل واستشارة لهذا المواطن أو ذاك ، لأنّ الأمن الوطني أو القومي أو القطري يتمّ تشخيصه من قبل فئة محصورة لا يمكن لعامة الناس تقديره وإدراك أبعاده وملامحه ، والأمر ينسحب على بقيّة المؤسسات والمجالس السياسية التي تشكّلها الحكومات لاتّخاذ القرارات المناسبة لها ولسياستها ، والإشارة العلوية هنا في زمن سابق لعصور الديمقراطية الحديثة جديرة بالتأمّل والدراسة العلمية . ويبدو أنّ مفهوم الشورى قد تنوسي وسُدل على أبعاده غطاءٌ لم يكلّف الباحثون أنفسهم في إزالة هذا الغطاء وسبر غور هذا المفهوم ، في حين آثر البعض أن يدمج المصطلح الحديث المتداول وهو الديمقراطية بمصطلح الشورى الاسلامي ، وكأنّ الديمقراطية والشورى بينهما توأمة ومزواجة في الشكل والمضمون ، وهي محاولة لا تخلو من حرص واعتزاز بالتجربة السياسية الإسلامية التي مورست في أزمنة خلت . وهناك من لا يرى تشابهاً في التجربة الديمقراطية وتجربة الشورى الإسلامية ، ويرى البعض أنّ بعض التطابق والتماثل قد يحصل بين المفهومين ، وفي هذا ما يؤكّد أهمية هذا المفهوم وقوّته بحيث صار أملا وحلماً تحلم به الشعوب وتسعى للاندماج معه .

الامتداد التاريخي للشورى والديمقراطية

ومهما كانت المسمّيات والعناوين فمفهوم الديمقراطية من أهم المفاهيم الحضارية التي يعتقدها الأوربيون في دراساتهم وبحوثهم ، وصارت هذه اللفظة في الشرق كمادة إعلامية واستهلاكية ، وغدت الموضوع الأول ، وكأنّها اليوم أكثر تداولا في لغة الإنسان الحديث . وتتقاسم الأنظمة السياسية المختلفة شعارات الديمقراطية باعتبارها شعارات ومنجزات سياسية مهمّة تتوق لها الشعوب وتتطلّع لها الأفئدة . ولم تعدم التجارب السياسية الماضية