القول بأنّه لا يوجد شعب لايفكّر ، وإن تباينت طرق التفكير - بلورة نسق نظري « 1 » .
ولهذا يمكن لنا أن نسمّيه فكراً أو عقلا أو نظراً ترشّح في تاريخ العرب ، وهو مؤسسة دار الندوة التي عرفت في تاريخ قريش السياسي ومسيرتهم الحضارية ضمن نطاق جزيرة العرب أفرزها الفكر السياسي الذي أسسه أجداد النبي ( ص ) ، فقصي هو مؤسس دولة وحكومة قريش التي اتّخذت مساحتها الجغرافية مكّة ورباعها .
ويتحدّث ابن هشام عن عقل تنظيمي سياسي امتلكه قصي حينما قطع مكّة رباعاً بين قومه ، فأنزل كلّ قوم من قريش منازلهم من مكّة التي أصبحوا عليها « 2 » .
ويتحدّث ابن هشام أيضاً عن جرأة قصي وحزمه حين هابت الأسر القرشية قطع شجر الحرم الذي امتد إلى منازلهم ، فقطع شجر منازلهم الذي كان يقدسونه بيده وبيد أعوانه فسمّته قريش مجمّعاً لمّا جمع من أمرها ، وتيمّنت بأمره فما تنكح امرأة ولايتزوّج رجل من قريش ، وما يتشاورون في أمر نزل بهم ، ولايعقدون لواءً لحرب قوم من غيرهم إلّا في داره ، يعقده لهم بعض ولده « 3 » .
وكأنّ مقاليد السلطة السياسية صارت بيد هذه الأسرة ، فصارت تتخذ قرارات ذات خطورة في كافة شؤون قريش ، لا يمكن لإسرة أو بيت آخر من بيوت قريش أن يحلم به أو يفكر فيه .
واللغويون يقولون في دار الندوة التي اشتهر بها قصيّ جدّ النبي ( ص ) جاءت من قولهم : ندوت القوم أندوهم إذا جمعتهم في النادي ، وبه سُمّيت دار الندوة بمكّة التي بناها قُصيّ .
والندوة : الاجتماع للمشورة . ودار الندوة : دار الجماعة . وكانوا إذ احزبهم أمرٌ ندوا إليها فاجتمعوا للتشاور ، ومنه قولهم : أُناديك ، أشاورك وأجالسك « 4 » .
هامش
( 1 ) علي مبروك ، النبوة ، بيروت دار التنوير : 77 .
( 2 ) السيرة النبوية 132 : 1 .
( 3 ) السيرة النبوية 132 : 1 .
( 4 ) ينظر لسان العرب ( ندى ) ومجمع البحرين 412 : 1 ( ندا ) .