الحاكمة ومعرفة مدى إنسانيتها ومراعاتها للموازين الديمقراطية في الحكم « 1 » .
ولأهمّية الشورى فإنّها تنحصر في فئة متقدّمة اجتماعياً وسياسياً وعقلياً لتتمكن من تقديم وجهة نظر وفكرة تبدو أقرب إلى العقل والصواب ، ويفهم هذا من كتاب كتبه علي ( ع ) إلى معاوية قائلا له :
إنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يَرُدَّ ، وإنّما الشورى للمهاجرين والأنصار ، فإن اجتمعوا على رجل وسمّوه إماماً كان ذلك لله رضىً ، فإن خرج عن أمرهم خارج بطعن أو بدعة ردّوه إلى ما خرج منه ، فإن أبى قاتلوه على اتّباعه غير سبيل المؤمنين وولّاه الله ما تولّى . ولعمري ، يا معاوية ، لئن نظرت بعقلك دون هواك لتجدنّي أبرأ الناس من دم عثمان ، ولتعلمنّ أنّي كنتُ في عزلة عنه إلّا أن تتجنّى ، فتَجَنَّ ما بدا لك والسلام « 2 » .
لذلك لا يمكن ردّ الشورى وامتهانها في الطبقات الجاهلة والغوغائية ، فهي مرددة بين طبقتين من الناس كما يتّضح من قول علي ( ع ) :
الناس ثلاثة : فعالم ربّاني ، ومتعلّم على سبيل نجاة ، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق ، يميلون مع كلِّ ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق « 3 » .
فالمشارك في عملية الشورى هو العالم أو المتعلّم ، ولذا لا يمكن تعويم هذا المفهوم الحضاري باتجاه أكثرية « 4 » جاهلة غير واعية لاتعي من هذا الشأن شيئاً ، وحصره - وفقاً لكتاب علي ( ع ) - بيد جماعة عاقلة راشدة مدبّرة لها من التجربة والإدراك السياسي له ما يبرره ، فتقرير مصير سياسي ، وإصدار قانون مثلًا ، واختيار فئة أو شخص لقيادة سياسية ، ليس بالأمر الهيّن ، لأنّ المشاركة العمومية في تقرير مصير الأمم والشعوب غير معمول به حالياً حتّى في الدول التي بلغت شوطاً كبيراً في ممارساتها الديمقراطية ، وطرح
هامش
( 1 ) الحكومة الديمقراطية : 50 .
( 2 ) نهج البلاغة : 366 من كتاب رقم 6 .
( 3 ) نهج البلاغة : 496 كلام رقم 147 .
( 4 ) ينظر هذا البحث في فصل المؤسسات السياسية والجماعة .