فالنصوص هنا تفيد الندب والاستحباب ، وتطرح مفهومين للشورى الأوّل الشورى السياسية ، والثاني الشورى الاجتماعية ، والمفهوم الثاني يستغرق كلّ تفصيلات الحياة وأبعادها ، ومن هذا المنطلق يفسّر قوله تعالى :
وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَها لا تُضَارَّ والِدَةٌ بِوَلَدِها وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ فَإِنْ أَرادا فِصالًا عَنْ تَراضٍ مِنْهُما وَتَشاوُرٍ فَلا جُناحَ عَلَيْهِما وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِذا سَلَّمْتُمْ ما آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ
« 1 »
.
فأمر جزئي وصغير يدخل دائرة التشاور هنا ، لا يعني إلّا دفع الناس وحثّهم نحو شورى أوسع وأهمّ لحياتهم ، وهي الشورى السياسية ، فالشورى الاجتماعية تقودنا إلى ضرورة الشورى السياسية ، والقرآن الكريم يوجهنا إلى أن نشاور في أدنى أعمال تربية الولد ، وهو الفصل في الرضاع فبشكل أولى يوجّهنا نحو الاستشارة في الحكم ، فلا يبيح الإسلام لرجل واحد أن يستبدّ في الأمّة . فقد أمرنا الله سبحانه رحمةً بالطفل أن تتشاور الأمّ مع الأب قبل أن يقررا فصله عن الرضاعة ، فكيف وأمر الحكومة وفيها مصير الأمّة بأسرها ، فرحمة بالأمّة أمر الله سبحانه وتعالى الحكّام بأن يتشاوروا « 2 » .
النخبة التي تمارس الشورى
تُعدّ الشورى في الرؤية الإسلامية مبدءً إنسانياً واجتماعياً وأخلاقياً بجانب كونها قاعدة لنظام الحكم ، وهي في المجال السياسي حقّ الجماعة في الاختيار وتحمّل مسؤولية قراراتها في شؤونها العامّة .
والشورى من مستلزمات الفطرة ، ومن سنن استقرار المجتمع ، وهي ليست هدفاً في حدّ ذاتها بل شرّعت في الإسلام كوسيلة لتحقيق العدل وتنفيذ مقاصد الشريعة ، لذا فهي
هامش
( 1 ) البقرة : 233 .
( 2 ) ينظر الشورى في الإسلام للسيد الشيرازي : 18 ط مؤسسة الوعي الإسلامي بيروت .