تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 150

مساهمون:

ص١٥٠
أشار عليك الناصح العاقل فإيّاك والخلاف ، فإنّ في ذلك العطب « 1 » فالمشاورة هنا مطلقة وغير مقيّدة ، وذلك لأنّ الملاك الصحيح والهدف الأسمى الذي يهيب به الإسلام في مواقف الأفراد وسلوكهم العملي هو الحقّ والهداية والصواب في الرأي والاتجاه ، وهذه كلّها لاتتحقّق للمستبدّ المتفرّد برأيه بلا مراجعة لأهل العقل والتجارب ، ومناقشة ذوي الآراء والنظريات المختلفة . . لأنّ الرأي الواحد مهما عظم وقوي على درك المصالح والمفاسد المحيطة به يبقى عاجزاً عن إدراك كلّ ما يُلمّ به من عوامل النجاح والفشل ، أو على الأقلّ معرفة العواقب والآثار المترتّبة عليه . . فالإنسان بالنتيجة كائن عاجز وضعيف لاتصل قدراته وطاقاته مهما كبرت إلى الإحاطة بكلّ شيء يدور حوله وحواليه . ما لم يستعن بأقرانه وزملائه من بين البشر . ولذلك ومن أجل أن يضمن للجميع استقامة المسيرة وسلامة الخطّ وبلوغ الأهداف القريبة ، والبعيدة فرض الإسلام على كلِّ أبناء الشعب وفئاته وطبقاته ، بلا استثناء ، قانون التشاور وتبادل الآراء والمناقشات . فحتّى بين الأقران والأصدقاء وبين أفراد الأُسرة الواحدة ، وعلى مستوى الجماعات والهيئات والمؤسسات والأحزاب السياسية وغيرها من شرائح المجتمع ، الشورى والتشاور أمر لازم وحتمي لا يجوز إلغاؤه أو التخلّي عنه أبداً . فكلّ خطوة وبرنامج عمل ناجح أو صغير لابدّ من عرضه على طاولة البحث والمناقشة والتشاور في بنوده وأبعاده . وإلّا عُدّ ناقصاً فاشلا لايحظى بالشرعية القانونية أو الجماعية للتعبير عن المجموع . فالحزب السياسي الذي تحكمه الفردية والاستبداد لايمثّل رأي زعيمه رأي القاعدة والأعضاء المنتمين إليه ، وبالتالي لا يمثل الشعب أو طبقة من الشعب . وبذلك يكون حزباً فاشلا في المنطق السياسي ، له لأنّه عجز عن كسب الجماهير إلى جانبه وفقد القدرة على التوسّع والانتشار فقط ، بل لأنّه تآكل من الداخل وعجز عن الاحتفاظ حتّى بأعضائه الرسميين ، وأفقدته الانشقاقات المستمرة والمتواصلة
هامش
( 1 ) مكارم الأخلاق للطبرسي : 319 .
معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 150 | عادل عبد الرحمن البدري