تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
فهنا صورة لها وجهان ، الوجه الأول للصورة هنا يعني التضامن الاجتماعي والمراقبة وتتبع الخلل في المجتمع ، والحثّ على المعروف والصلاح ، فعندها يعمّ الخير ، أمّا الوجه الثاني للصورة فهو التهاون وعدم تقبّل المسؤولية ، وترك الأمور بلا مراقبة ، وإطلاق يد الأشرار والمفسدين يعبثون بلا ضوابط ولا قوانين رادعة باسم الحرّية ، فعندها يعمّ الشرّ وتنزل النقمة . والحرّية في كلّ نشاطات الإنسان وممارساته حقّ طبيعي له ، فلا يمكن ردعه عن ممارسة أيِّ عمل أو نشاط إيجابي مثمر له ، أو ثنيه عن أيّ قرار يتّخذه بهذا الشأن ، ولكن حين يتجاوز الآداب العامة المتّفق عليها ، أو تمتدّ يده إلى المصالح والمؤسسات العامة فيعبث بها أو يعطّلها أو يمنع الآخرين من الاستفادة منها ، عند ذلك يتدخل القانون الوضعي والديني في آن واحد ، ليضرب على هذه الحرية بحاجز ومانع من هذا النشاط السلبي المفسد ، ومن ذلك جاء قوله ( ص ) : ثلاث ملعون من فعلهنَّ : المتغوّط في ظلِّ النُزّال « 1 » ، والمانع الماء المنتاب « 2 » والسادّ الطريق المسلوك « 3 » . فهذه نماذج من الممنوعات والقيود التي تمنع الحرية الباغية وأصحاب الحرية العمياء من أن يتداولوها بسلوك عبثي مفسد يضرّ بحقوق الآخرين ، ويمنعهم من ممارسة حرياتهم وحقوقهم ، بل يؤدّي إلى تعطيل الحياة وشلّها ومنعها من الاستمرار والإدامة . فحرية الاستنجاء ودفع فضلات الإنسان مثلا في أيّ مكان - كما أشار الحديث - ممنوعة ، لأنّها تسبب ضرراً في النظام الاجتماعي والصحي للبلد ، فالأماكن العامة التي كان يرتادها المسافرون لغرض الاستراحة وتجديد قواهم ينبغي أن تُصان وتُمنع من القذارات وكلّ أنواع الفضلات ، فهي مؤسسات عامة لها حرمة كما للمساجد « 4 » والأماكن
هامش
( 1 ) ظلّ النُزّال : الموضع الذي يستظل فيه المسافرون ويستريحون عنده . ينظر مجمع البحرين مادة ( نزل ) . ( 2 ) الماء المنتاب : أي الماء المباح الذي يؤخذ بالنوبة ، هذا مرّة وهذا أخرى . مجمع البحرين ( نوب ) . ( 3 ) أصول الكافي 292 : 2 ح 12 . ( 4 ) وقد أباح الفقهاء للمعتكف في المساجد أن يتنظّف ، لأنّ ذلك يرتبط بمصالح عامة المسلمين ومذاقهم ، في حين عدّوا بصاقه في المسجد خطيئة ، لأنّ ذلك ينفرّ المزاج والذوق العام . ينظر المغني لابن قدامة 149 : 3 و 150 .