رياء ولا سمعة ، فإنّه من يعمل لغير الله يكله الله إلى من عمل له ، نسأل الله منازل الشهداء ، ومعايشة ومرافقة الأنبياء « 1 » .
وجعل ( ع ) الفرد المتنصّل من مسؤولية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في عداد الموتى المقبورين ، وكأنهم شُطبوا من ديوان الأحياء ، فقال : من ترك إنكار المنكر بقبله ويده ولسانه فهو ميّت في الأحياء « 2 » .
فهنا ينفصل التارك للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن الأمّة ، وكأنّه عضو مقطوع ميّت . وقد برز في تاريخ الأمم السالفة ظاهرة استفحال المعاصي ، والحديث عن معاصي الأمم السالفة التي أشار لها علي ( ع ) ، يعني التمادي في الحرّيات الطائشة ، والانفلات في الغرائز والشهوات التي ركبتها هذه الأمم في تاريخها ، فغفلتها وتجاهلها لوظيفتها في كبح جماح الشرّ أهلكها ، وحكم التاريخ على هذه الأمم بالإفلاس والنهاية المأساوية ، لأنّها لم تستطع أن تضبط غرائزها ونزواتها ، كما أنّها أطلقت العنان لأبنائها في حرّيتهم ، ولم تستخدم الحرية التي وهبها الله لعباده الاستخدام الإيجابي الصحيح ، فانهارت وتلاشت . وقد سجّل علي ( ع ) هذه الصور من انهيارات الأمم في خطبه السياسية ، ومن هذه الصور هذه الخطبة المتقدّمة فعلي ( ع ) يحدّثنا هنا عن انهيار الأمّة التي حلّت عليها اللعنة لتركها فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ممّا أطلق العنان لمفسديها بالاندفاع في إشباع الغرائز والشهوات بدون رادع ولا قواعد ، وفي ذلك روي عن الرضا ( ع ) قوله
: كان رسول الله ( ص ) يقول : إذا أمّتي تواكلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فليأذنوا بوقاع من الله تعالى « 3 » .
وروي عن أبي الحسن الكاظم ( ع ) قوله :
لتأمرنَّ بالمعروف ولتنهنَّ عن المنكر أو ليستعملنَّ عليكم شراركم فيدعو خياركم فلا يُستجاب لهم « 4 » .
هامش
( 1 ) فروع الكافي 57 : 5 ح 6 .
( 2 ) تهذيب الأحكام 181 : 6 ح 374 .
( 3 ) الفروع من الكافي 59 : 5 ح 13 باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
( 4 ) الفروع من الكافي 56 : 5 ح 3 .