تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معالم الفكر السياسي ونظرية الدولة في الإسلام — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
المنكر ، استند إلى مبدأ الحلال والحرام ، وإلى الثواب والعقاب في الدنيا والآخرة . وأين هذا من ذاك ؟ « 1 » . والحقّ أنّ نظام الحسبة هو فرع وصورة ناطقة من نظام الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فالمسلمون على العموم كانوا ينتمون إلى مؤسسات اجتماعية وسياسية واقتصادية كبيرة وصغيرة ، أدخلهم بها نظامهم الديني القائم على مبادئ الثواب والعقاب والتكافل الاجتماعي وتعليمات النبي ( ص ) : « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » « 2 » وبقيّة الأحاديث والفتاوى التي يصدرها الفقهاء ، إلّا أن الصفة الرسمية أو السياسية أو السلطانية لصورة من صور الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر اتّخذت هذا النظام الفرعي الذي أسموه الحسبة ، وبعد انتشار هذا النظام بدأ المسلمون وأبناء البلدان المفتوحة يشعرون بضرورة تطبيقه نظراً لأهميته الكبرى ، بل أننا رأينا أنّ الصليبيين بعد احتلالهم للأراضي المقدّسة عملوا على تطبيق نظام الحسبة الإسلامي وأبقوا على وظيفة المحتسب في المناطق التي سيطروا عليها ، كما أنّ ملوك الأسبان المسيحيين كانوا كلّما استردّوا من المسلمين إقليماً أقرّوا المحتسب في عمله . كما انتقلت الكلمة إلى الإسبانية باسم
Almotacen . .
وقد انتشرت هذه الوظيفة في مختلف المناطق الإسلامية وصارت تتطور وتتحوّل من المحتسب إلى موظّف أعلى رتبةً ، ففي دولة العبيديين في مصر والمغرب والأُمويين في الأندلس كانت تندرج وظيفة المحتسب في عموم ولاية القاضي ، ثمّ لمّا انفردت وظيفة السلطان عن الخلافة وصار نظره عاماً في أُمور السياسة اندرجت في وظائف الملك وأُفردت بالولاية . غير أنّ وظيفة المحتسب استمرّت عبر العصور التاريخية الإسلامية وإلى تاريخ متأخّر من العصر العثماني . وممّا يدلّ على ذلك وجود وثائق في استانبول تعود إلى أعوام 987 ه - - 991 ه - ،
هامش
( 1 ) الإدارة الإسلامية : 332 . ( 2 ) عوالي اللآلئ 364 : 1 ح 51 ، صحيح مسلم 1459 : 3 ح 1829 .